رسائل النور .. الثبات على المبادئ حين تهتز الطرق

ليست قيمة الإنسان بما يقوله في أوقات الراحة، ولا بما يعلنه حين تكون الظروف مواتية، وإنما تظهر حقيقة ثباته حين تتغير الأحوال، وحين يجد نفسه بين طريقين طريق المبادئ الذي يحتاج إلى صبر وتضحية، وطريق التنازل الذي يبدو أسهل وأقصر.
إن الثبات على المبادئ من أعظم علامات قوة الشخصية وصدق الإيمان، فهو ليس مجرد تمسك برأي أو موقف، وإنما هو التزام بالحق الذي يؤمن به الإنسان، مهما تغيرت الظروف، ومهما واجه من ضغوط أو انتقادات أو صعوبات.
ما معنى المبدأ؟
المبدأ هو القاعدة الإيمانية أو الأخلاقية التي يبني عليها الإنسان مواقفه وتصرفاته، وهو الميزان الذي يحدد له طريقه عندما تختلط عليه الأمور.
فالمبادئ ليست عادات عابرة، ولا مصالح مؤقتة، بل هي القيم التي يؤمن الإنسان بأنها حق وخير وعدل، مثل الصدق، والأمانة، والعدل، والوفاء، ونصرة الحق، والالتزام بأوامر الله تعالى.
وقد يملك الإنسان المال والقدرة والشهرة، لكنه إذا فقد المبادئ فقد أهم ما يميزه، لأن الإنسان بلا مبدأ يصبح تابعًا للظروف، يتغير مع تغير الناس، ويميل حيث تميل الرياح.
الثبات على المبادئ طريق الأنبياء
لقد كان الأنبياء عليهم السلام أعظم نماذج الثبات على الحق، فقد واجهوا التكذيب والأذى والتهديد، لكنهم لم يغيروا رسالتهم ولم يساوموا على مبادئهم.
قال ربنا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112]. فالثبات ليس اختيارًا ثانويًّا، بل هو أمر إلهي، لأن الرسالات العظيمة لا يحملها إلا أصحاب النفوس الثابتة.
وقد عرض القرآن موقف نبي الله إبراهيم عليه السلام حين وقف أمام قومه ورفض عبادة الأصنام، على الرغم من أنه كان وحده في مواجهة مجتمع كامل، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26]. لقد كان إبراهيم عليه السلام ثابتًا لأن علاقته بالله كانت أقوى من خوفه من الناس.
ثبات النبي ﷺ أمام الابتلاءات
كان رسول الله ﷺ أعظم مثال للثبات على المبدأ، فقد عُرضت عليه الدنيا كلها مقابل أن يتنازل عن دعوته، فجاءه المشركون يعرضون عليه المال والملك، لكنه بقي ثابتًا على رسالته.
ولما اشتد عليه الأذى في مكة، لم يترك طريق الحق، ولم يتحول إلى الانتقام أو الحقد، بل بقي يدعو بالحكمة والصبر.
وكان من أعظم ما يوضح ثباته ﷺ قوله لعمه أبي طالب حين طلب منه أن يخفف دعوته: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته" فصاحب المبدأ الحقيقي لا يبيع قيمه مهما كان الثمن.
مواقف الصحابة في الثبات
تعلم الصحابة من رسول الله ﷺ أن الإيمان ليس كلمات تقال، وإنما مواقف تُثبتها الأيام.
فهذا بلال بن رباح رضي الله عنه، كان عبدًا ضعيفًا في نظر الناس، لكنه كان قويًّا بمبدئه، حين عُذب تحت حرارة الشمس ووضع الحجر على صدره، لم يكن يملك قوة الجسد، لكنَّه امتلك قوة اليقين، وكان يردد: "أحدٌ أحد"، لقد انتصر المبدأ في قلب بلال على الألم في جسده.
وهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه حين أسره المشركون، وخيروه بين الرجوع عن دينه أو القتل، اختار الثبات، وقال:"والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمدًا ﷺ يشاك بشوكة" لأن المحبة الحقيقية للمبادئ تظهر عند الاختبار.
لماذا يصعب الثبات؟
لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بالبيئة من حوله، وقد يضعف أمام ضغط المجتمع أو الخوف من الخسارة أو الرغبة في القبول.
وقد تكون المواجهة ليست مع عدو ظاهر، بل مع النفس التي تحب الراحة، وتكره التضحية، وتبحث عن الطريق الأسهل.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] فالثبات يحتاج إلى تغذية مستمرة بالإيمان واليقين.
الثبات في واقعنا اليوم
في زمن كثرت فيه الضغوط وتغيرت فيه المعايير، أصبح الإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه ما المبادئ التي لا أتنازل عنها؟ الثبات يظهر في الموظف الذي يرفض الغش على الرغم من أنَّ غيره يفعله، وفي التاجر الذي يرفض الحرام على الرغم من سهولة الربح، وفي المربي الذي يحافظ على قيم التربية على الرغم من تغيُّر الزمن، وفي الشاب الذي يتمسك بدينه وأخلاقه وسط المغريات؛ فإن الإنسان قد يخسر شيئًا بسبب ثباته على الحق، لكنه يكسب احترام نفسه ورضا ربه.
الثبات على المبادئ لا يعني الجمود أو رفض التطور، فالإسلام دين يوازن بين الثوابت والمتغيرات، الثوابت هي القيم الكبرى التي لا تتغير، أما الوسائل والأساليب فهي قابلة للتطوير، فالمسلم يثبت على الحق، لكنه يحسن التعامل مع الواقع، ويغير الوسيلة دون أن يغير المبدأ.
إن أعظم ما يملكه الإنسان في هذه الحياة قلب يعرف أين يقف، ونفس لا تبيع الحق من أجل رضا الناس، قد تتغير الأيام، وتتبدل الوجوه، وتكثر الاختبارات، لكن أصحاب المبادئ يبقون كالجبال؛ تهب عليهم الرياح، لكنها لا تقتلع جذورهم، فالثبات ليس أن لا تواجه العواصف، بل أن تبقى واقفًا بعد مرورها.
نسأل الله أن يثبت قلوبنا على الحق، وأن يجعلنا من الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13].
بالسداد والتوفيق
د. يونس صالح
- الكلمات الدلالية
- الثبات
- العقيدة
- الواقع
- المبادئ
- المسلم في أوروبا
- السيرة النبوية
- الصحابة
- الفتن
د. يونس محمد صالح الزلاوي