حتى يتطهر القلب في خير أيام الدنيا | خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، يترقب المسلمون حول العالم قدوم خير أيام الدينا وهي عشر ذي الحجة والتي تفصلنا عنها عشرة أيام تقريبًا، وعشر ذي الحجة موسم رباني ذهبي لكلِّ مسلم خاصةً من يعيش في الغرب؛ لطغيان المادية على الربانية وظهورها أكثر من البيئات الأخرى فلا بد من استثمار المواسم الربانية لكسر حدة المادية والعودة إلى أنوار الربانية..
وفي هذه الأيام يستعد الحجيج للسفر لأداء فريضة العمر والعودة بالولادة الجديدة، كما يجب على غير الحجاج الاستعداد أيضًا لعشر ذي الحجة حتى يقتربوا بالعبادة فيها من منزلة ورتبة الحجيج عند الله، والفائز بحق في هذه الأيام هو من فاز بقلبه فترقى وتزكى وتطهر؛ فالحُجَّاج وغير الحُجَّاج بحاجةٍ إلى مراجعة القلب والروح قبل هذه العشر، وخير ما نستعد به لاستقبال هذه العشر هو التوبة النصوح الصادقة إلى الله تبارك وتعالى، والإمام أبو حامد الغزالي يُجيب عن السؤال: لماذا نحتاج إلى التوبة قبل مواسم الطاعات؟ لأن التوبة شرط للإقبال على الطاعة وشرط أيضا لقبول الطاعة، فيقول:
"عليك يا طالب العبادة –وفقك الله لطاعته- بالتوبة، وذلك لأمرين: أحدهما: ليحصل لك توفيق الطاعة؛ فإن شؤم الذنوب يُورِث الحرمان، ويعقب الخذلان، وإنَّ قيد الذنوب يمنع من المشي إلى طاعة الله عز وجل، والمسارعة إلى خدمته، وإنَّ ثقل الذنوب يمنع من الخفة للخيرات، والنشاط إلى الطاعات، فيا عجبًا!! كيف يُوفَّق للطاعة من هو في شؤم وقسوة؟ وكيف يُدعَى إلى الخدمة من هو مُصِرٌّ على المعصية والجفوة؟! وكيف يُقرَّب للمناجاة من هو متلطِّخ بالأقذار والنجاسات؟! فلا جرم أن لا يجد المُصِرُّ على العصيان توفيقًا، ولا تخف أركانه للعبادة، وإن اتَّفق؛ فبِكَدٍّ لا حلاوة معه ولا صفوة؛ وكلُّ ذلك لشؤم الذنوب وترك التوبة.
والثاني من الأمرين: أنَّه تلزمك التوبة لقبول عبادتك؛ فإنَّ ربَّ الدَّيْن لا يقبل الهدية، وذلك أنَّ التوبة عن المعاصي وإرضاء الخصوم فرضٌ لازم، وعامَّة العبادة التي تقصدها نفل، فكيف يقبل تبرُّعك والدَّيْن قد حلَّ عليك لم تقضِه؟! أم كيف تترك لأجله الحلال والمباح وأنت مُصِرٌّ على فعل المحظور والحرام؟! وكيف تُناجيه وتدعوه وتُثني عليه؛ وهو والعياذ بالله عليك غضبان؟"!
وهذه أضواء على التوبة المنشودة قبل خير أيام الدنيا:
1. أخطر خطأين بعد الذنب:
كلنا يُذنب ويُخطئ، وفي حديث أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ" (رواه الترمذي وأحمد بسند صحيح). ولكن أخطر خطأين نقع فيهما بعد الذنب هما: الاستهانة بالذنب حتى يراه صاحبه صغيرا فيكرره بلا خوف فيموت القلب ولا ينتفع بالطاعات بعد ذلك، والخطأ الثاني: هو الخوف واليأس من التوبة فيقع المسلم بين هدم هيبة المعصية في القلب، وبين هدم الرجاء في رحمة الله وعفوه، والقرآن الكريم يوسع أمامك باب الرحمة والعفو ويمحو من قلبك باب اليأس من قبول التوبة فيقول ربنا تبارك اسمه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}[الزمر:53].
وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "يا ابنَ آدمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ (ولا أُبالِي) يا ابنَ آدمَ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لا تُشْرِكْ بِيْ شَيْئًَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً " الترمذي وأحمد بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه. وأعلم أنَّ يأسك من قبول التوبة هو أقصى أمنية وغاية للشيطان، وكذلك استصغارك للذنب وتتابع تكرارك له من أخطر مميتات القلب قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكم ومحقِّراتِ الذنوبِ فإنهُنَّ يجتمعنَ على الرجلِ حتى يُهلكنَهُ" (رواه الطبراني والبيهقي بسند صحيح عن عبدالله بن مسعود)، وهنيئًا لمن جعل من ذنبه الذي لم يُخطط له أو يفرح به طريقًا لمضاعفة العمل الصالح بعده والخشية والإنابة كما قال ابن عطاء الله السكندري: "رُبَّ معصيةٍ أورثَت ذلًّا وانكسارًا، خيرٌ من طاعة أورثت علوًّا واستكبارًا".
2. احذر توبة الكذابين:
توبة الكذَّابين هي التوبة باللسان مع الاستمرار والإصرار على الذنب وعدم اقتلاعه من القلب؛ قال الإمام القرطبي: "الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذَّابين". فلا بد من المجاهدة للنفس والشيطان، وإذا رأى الله منك صدقًا في التوبة والإنابة أعانك على ترك الذنب والاستقامة، فنحتاج قبل قدوم العشر المباركات إلى توبة بالقلب والعمل قبل اللسان، وقد عَرَّف سهل بن عبدالله التستري التوبة بأنها: تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة، فمن أدمن النظر إلى الحرام توبته أن يُدمن النظر في كتاب الله عزو وجل، ومن أكثر المشي إلى أماكن اللهو والفجور توبته إكثار المشي إلى بيوت الله وأماكن الطاعات والقربات، ومن أخذ مالًا حرامًا توبته أن يردَّه إلى أهله وأن يُنفق ويتصدَّق رجاء قبول توبته، وقد قدَّم سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه نموذجًا حيًّا للتوبة الصادقة بعد أن تخلَّف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وتاب الله عليه بقوله: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم}[التوبة:118]..
ولكنَّه يؤكِّد صدق توبته فيقول للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّما أنجاني الله بالصدق، وإنَّ من توبتي أن لا أحدِّث إلَّا صدقًا ما بقيت، ولا يكتفي بذلك حتى ينخلع من ماله صدقة لله عزَّ وجل، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك". فإذا أردنا الفوز بالعشر علينا أن نتوب توبةً عمليَّةً قبل قدوم تلك العشر؛ فنخلع الذنب من قلوبنا، ثم نتبعه بعملٍ صالحٍ من جنسه.
3. معينات على بلوغ التوبة النصوح:
1. كرِّر التوبة كلما تكرَّر الذنب: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنَّ رَجُلًا أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أحَدُنا يُذنِبُ، قالَ: يُكتَبُ عليهِ، قالَ: ثمَّ يَستغْفِرُ منه ويَتوبُ؟ قالَ: يُغفَرُ له ويُتابُ عليه، قالَ: فيَعودُ فيُذْنِبُ؟ قالَ: يُكْتَبُ عليهِ، ولا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تَمَلُّوا". (رواه الطبراني والبيهقي بسندٍ صحيح).
2.أكثر من الدعاء: فقد كان من دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ربِّ تقبَّل توبتي واغسل حوبتي وأَجِبْ دعوتي وثبِّت حُجَّتي وسدِّد لساني واهدِ قلبي واسلُلْ سَخِيمةَ صدري". وقد دعا سيدنا آدم عليه السلام ربَّه بعد أن عصاه بالأكل من الشجرة فقال: "{قَالًا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} [الأعراف:23].
3.اقطع علائقك بأسباب المعصية: قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا} [الإسراء:32] فالقرآن يحذر من الاقتراب من أسباب المعصية فإذا كانت المعصية تسهل عليك بسبب الفراغ فتجنبه، وإن كانت بسبب الهاتف فانقطع عنه، وإن كانت بسبب صحبة السوء فقاطعها.
4. اتَّخِذ صحبةً صالحة:
قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] وقال صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل". (رواه الترمذي وأبو داوود وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه). فلا بد أن نُراقب صحبة أولادنا وأن نوجِد لهم البيئة الصالحة التي تُسهِّل عليهم وجود الصاحب الذي يُعينهم على التوبة والطاعة خاصَّةً في هذه البيئات.
اللهم تقبل من الحجيج حجهم، وبلغنا عشر ذي الحجة وأعنا فيها على طاعتك ومرضاتك، وزودنا منها بالتقوى، اللهم تب علينا وارزقنا توبة قبل الممات وأدخلنا الجنة دون سابقة عذاب أو مناقشة حساب، وكن لأهلنا وإخواننا المستضعفين في غزة وفلسطين وكل مكان يا رب العالمين والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 8 مايو 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- خطب
- العشر الأوائل
- ذو الحجة
- الحج
- يوم عرفة
- أيام معدودات
د. خالد حنفي