الحفاظُ على الشعائر في الغرب حفظٌ للدين والهوية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فإن الحفاظ على شعائر الإسلام الظاهرة ضروريٌ لحفظ الدين والهوية خاصة للمسلمين في الغرب، وهذه الشعائر يُنسب بها المسلم إلى الإسلام كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن صَلَّى صَلاتَنا واستَقبَلَ قِبلَتَنا، وأكَلَ ذَبيحَتَنا فذلك المُسلِمُ الذي له ذِمَّةُ اللهِ وذِمَّةُ رَسولِه؛ فلا تُخفِروا اللهَ في ذِمَّتِه" (البخاري).
ولهذا شدَّد الإسلام في أمر البدعة؛ لأنَّ ظهورها وانتشارها في المجتمع المسلم يضر بالشعائر، كما شدَّد الإسلام في تحريم التشبُّه بغير المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم: "من تشبَّهَ بقومٍ فَهوَ منْهم" (أبو داوود وأحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمر).
وقد فرَّق الفقهاء بين ترك المندوب بالكل أو الجزء، فحرَّموا تركه بالكلِّ ورخَّصوا في تركه بالجزء؛ كاجتماع أهل بلدٍ على ترك الأذان الذي هو شعيرةٌ من شعائر الإسلام فهذا فِعلٌ محرمٌ، وبين ترك الأذان بعض المرات في صلاة من الصلوات فهذا ترك بالجزء يُتسامح في مثله، ويذهب فقهاء الحنفية وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم إلى أن صلاة العيد واجبة؛ لأنها من أعظم شعائر الإسلام حيث يخرج لها الأطفال وحتى النساء الحيض، والأصل في صلاة الجمعة أن تُؤدى في المسجد الجامع صلاة واحدة في كل مدينة وإنما جُوِّز تعدد الجمعة في البلد الواحد رعاية لحاجات الناس وكثرتهم واتساع المدن وتباعد الأماكن؛ وذلك تعظيما لشعيرة الجمعة.
وقد تفاخر بعض اليهود أمام أحد حاخاماتهم قائلين: لقد حافظ اليهود على يوم السبت. فقال لهم: لا. إنَّ يوم السبت هو الذي حافظ على اليهود. يقصد أن حفاظهم على الشعيرة الدينية هو الذي حفظهم من ضياع الهوية والدين.
وتتضاعف الحاجة إلى الحفاظ على شعائر الإسلام الظاهرة في الغرب حيث يضعف الدين وتحارب الهوية ويمكن أن تختفي عند عدم العناية بها بتقادم الأجيال وفي حديث سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَدرُسُ الإسلامُ كما يدرسُ وَشيُ الثَّوبِ حتَّى لا يدري ما صيامٌ ولا صلاةٌ ولا نسُكٌ ولا صدقةٌ ويسرَى على الْكتابِ في ليلةٍ فلا يبقى في الأرضِ منْهُ آيةٌ" (ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي بسند صحيح).
أي أنه ستأتي على الإسلام فترات في آخر الزمان تنمحي آثار الإسلام فلا تجد أثرا لصلاة أو صيام أو نسك كما تنمحي آثار الرسم والنقش على الثياب والأقمشة، ونحن على مقربة من عشر ذي الحجة وهي أيام تظهر فيها شعائر الإسلام من حج وأضحية وصوم، والواجب علينا اغتنام هذه الأيام بالطاعات فيها وتعظيم شعائر الإسلام خاصة في الغرب، ومن صور التعظيم ما يلي:
1. تعظيم شعيرة الأضحية:
الأضحية سنة مؤكدة على الموسر وقال الحنفية بوجوبها ومن الأحاديث الصحيحة التي تثبت فضلها قوله صلى الله عليه وسلم: "ما عمل آدمي من عمل يوم النّحر أحبُّ إلى الله من إهراق الدّم، إنّها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفسا" (الترمذي بسند صحيح).
والواقع في الغرب يدفع أغلب المسلمين إلى التوكيل في الذبح خارج أوروبا أو التصدق بثمنها لغزة أو لبلد فقير، أو التوكيل في بلد ثمن الأضحية فيه أرخص، وكل هذا لا يعكس تعظيم الشعيرة التي عظمها الله تبارك وتعالى:{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}[الحج:32]، لا بد أن تبقى الشعيرة حاضرة ظاهرة في مجتمع المسلمين في الغرب وأخشى أن تندرس بتقادم الأجيال مع التوسُّع بالتوكيل خارج بلد المضحي، ولنعلم أنَّ الأضحية شعيرة تعبديَّة قصدها الأعظم الاقتداء بسيدنا إبراهيم عليه السلام ولا تجزئ إلا بالذبح؛ فمساعدة الفقراء منها مقصد فرعي، ومن تصدَّق بثمنها لغزة لم يُضحِّ وإنَّما تصدَّق، ولا يصحُّ التهرُّب من شعيرةٍ مقصدها تعلُّم التضحية للدين بتوفير المال بالأضحية في بلد أرخص من بلد المضحي، وكثيرٌ من المسلمين في أوروبا وسَّع الله عليهم فيُمكنهم الجمع بين الذبح في أوروبا والتوكيل خارجها. ونُشدِّد على ضرورة الالتزام بالقوانين المحلِّيَّة لكلِّ بلدٍ في نظام الذبح وعدم الخروج عليه.
2. تعظيم الصلاة والمساجد:
تعظيم أمر الصلاة والمساجد بناء وهيئة وانتظامًا في صلاة الجمعة والجماعة ومع رعاية ظروف الناس وحاجاتهم في الغرب، إلَّا أنَّه يجب الحفاظ على حدٍّ أدنى من الانتظام في صلاة الجماعة، وصلاة الجمعة أوجب قال صلى الله عليه وسلم عن أبي الجعد الضمري: "مَن ترَكَ ثلاثَ جمعٍ تَهاونًا بِها، طبعَ اللَّهُ على قلبِهِ" (أبو داوود، والنسائي والترمذي، وابن ماجه، وأحمد بسند صحيح). وكذلك صلاة الجنازة وصلاة العيدين من شعائر الإسلام الظاهرة التي يجب الحفاظ عليها.
3. تعظيم حجاب المرأة المسلمة:
حجاب المرأة المسلمة فرض ديني له وظيفة ومقصد وليس رمزًا دينيًّا كما رُوِّج في بعض وسائل الإعلام الأوروبية، وحجاب المرأة المسلمة له بُعدٌ يتعلَّق بالهويَّة فلا بد أن تتمسَّك به المسلمة في الغرب وأن تُدعم من الأسرة والمجتمع، وأن تتحمَّل في سبيل الثبات عليه كلَّ ما يُصيبها من تعبٍ ونصبٍ وأذًى أو حرمان، وتحتسب الأجر على ذلك عند الله تبارك وتعالى.
4. الذبائح والمقابر:
الالتزام بالذبح الإسلامي والأكل الحلال وتجنُّب المحرَّمات في الغرب من شعائر الإسلام الظاهرة التي يجب التمسُّك بها ولا أؤيِّد تلك الفتاوى التي لا تُفرِّق بين ذبائح المسلمين وغير المسلمين في الغرب إباحة؛ لأنَّها بعيدًا عن فقدان الشروط الشرعيَّة تُهمل بعد الهوية الكامن وراء نظام الأكل الحلال، وكذلك ضرورة وجود مدافن خاصَّة بالمسلمين وتمسُّك المسلمين بنظام الدفن الخاص بهم من الشعائر الواجب الحفاظ عليها وبذل الجهد في تثبيتها فذلك حفظٌ للدين والهوية، و-بالجملة- كل الشعائر الظاهرة التي لها بُعدٌ واضحٌ وأثرٌ ظاهرٌ على الدين والهوية يجب الاستمساك بها لحفظ الدين والهوية.
اللهمَّ تقبَّل من الحجيج حجَّهم واغفر ذنبهم واخلف نفقاتهم، وأعنَّا على الطاعة في عشر ذي الحجة، وفرِّج الكرب عن أمَّة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله ربِّ العالمين.
خطبة جمعة بتاريخ 15 مايو 2026 م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة
- الجمعة
- الحج
- العشر من ذي الحجة
د. خالد حنفي