path

رسائل رمضان للمسلمين في الغرب

article title

رسائل رمضان للمسلمين في الغرب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فنحمد الله تعالى أن بلغنا رمضان فصمنا وقمنا اليوم الثاني منه وندعو الله تعالى أن يزودنا منه بالتقوى وأن يبلغنا فيه ليلة القدر وأن يكتبنا فيه من المقبولين الفائزين، وبلوغ رمضان ونحن في صحة وإيمان وقدرة على العبادة نعمة كبرى ومنة عظمى من المولى الجليل سبحانه وتعالى، تتجلى هذه النعمة في حديث سيدنا حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: «أنَّ رَجُلَينِ قَدِما على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان إسلامُهما جَميعًا، وكان أحَدُهما أشَدَّ اجتِهادًا مِن صاحِبِه، فغَزا المُجتَهِدُ منهما، فاستُشهِدَ، ثم مَكَثَ الآخَرُ بَعدَه سَنةً، ثم تُوُفِّيَ، قال طَلحةُ: فرأيتُ فيما يَرى النَّائِمُ كأنِّي عِندَ بابِ الجَنَّةِ إذا أنا بهما وقد خرَجَ خارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فأذِنَ للذي تُوُفِّيَ الآخِرَ منهما، ثم خَرَجَ فأذِنَ للذي استُشهِدَ، ثم رَجَعا إليَّ فقالا لي: ارجِعْ؛ فإنَّه لم يَأْنِ لكَ بَعدُ. فأصبَحَ طَلحةُ يُحدِّثُ به الناسَ، فعَجِبوا لذلك، فبلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: مِن أيِّ ذلك تَعجَبونَ؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هذا كان أشَدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِدَ في سَبيلِ اللهِ، ودخَلَ هذا الجَنَّةَ قَبلَه. فقال: أليس قد مَكَثَ هذا بَعدَه سَنةً؟ قالوا: بلى. وأدرَكَ رَمَضانَ فصامَه؟ قالوا: بلى. وصلَّى كذا وكذا سَجدةً في السَّنةِ؟ قالوا: بلى. قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فلَمَا بَينَهما أبعَدُ ما بَينَ السَّماءِ والأرضِ"» [أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني].

فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: "فلَمَا بَينَهما أبعَدُ ما بَينَ السَّماءِ والأرضِ" فكيف نفرِّط في دقائق رمضان الغالية وننشغل عن العبادة في ليله ونهار بأي شيء من ملهيات الدنيا وصوارفها بعد هذا الفضل لهذا الشهر الكريم، وفي الجمعة الأولى من رمضان يطيب لي أن أُذِّكر المسلمين في الغرب بجملة من رسائل رمضان ومعانيه وأهمها:

1. وحدةُ المسلمين صومًا وفطرًا فريضة شرعية وضرورة واقعية: لقد تضافرت النصوص الشرعية المؤكدة على وجوب وحدة المسلمين والتحذير من الفرقة وعواقبها على الفرد والجماعة المسلمة قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وحذر القرآن الكريم من عاقبة الفرقة فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]، وقدم الله تعالى توحيد الكلمة على كلمة التوحيد في موضعين من كتابه قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92] وقال: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ [المؤمنون: 52]، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً، وسَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ به النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ في وجْهِهِ الكَرَاهيةَ، وقالَ: كِلَاكُما مُحْسِنٌ، ولَا تَخْتَلِفُوا، فإنَّ مَن كانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا. [البخاري].

فالرجل الأول قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية بوجه غير الوجه الذي قرأه به عليه سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، والشاهد تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم أن الاختلاف مذموم وسيؤدي إلى الهلاك، والصيام فريضة تُعلمنا الوحدة والاجتماع حيث نصوم ونفطر في لحظة واحدة ونجتمع في الإفطار الرمضاني على مائدة واحدة، والمسلمون في الغرب أحوج الناس للاجتماع والاتحاد ونبذ الفرقة، وهم أكثر من يتضرر منها خاصة في ظل التحديات والعقبات التي تهدد الوجود الإسلامي في الغرب من أصله، والانقسام والفرقة التي وقعت قبل يومين في أول رمضان غير مقبولة شرعًا ولا عقلًا، وقد وصلت إلى حد الاختلاف بين الزوجين والأبناء في الأسرة الواحدة والمسجد الواحد والمدينة الواحدة، ولا يوجد بلد أوروبي لم يقع فيه انقسام أو اختلاف مع الأسف وقد غاب أيضًا فقه الاختلاف وأدب الخلاف في تلك الأزمة..

والحل أيها الإخوة يتلخَّص في ضرورة اجتماع المسلمين في الغرب على مرجعيَّاتهم الأوروبِّيَّة والمحلِّيَّة وقد أعلن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا وكبرى المساجد في ألمانيا أن أول أيام شهر رمضان الخميس 19 وهو إعلان بُني على مقررات مؤتمرات عالمية شارك فيها كبار الفقهاء والفلكيين حول العالم، وقد توافق هذا الإعلان مع إعلان أغلب الدول في العالم الإسلامي فلم الاختلاف حوله إذا؟!! وما معنى أن تقبل بإعلان دولة رؤية الهلال مع استحالة رؤيته فلكيا وترفض عدم رؤية 18 دولة للهلال في العالم الإسلامي؟

إنَّ رفض مقررات المرجعيات الفقهية الأوروبية لن يُفضي إلا إلى الفوضى ومزيد من الانقسام والفرقة التي تضر بالمسلمين وصورة الإسلام في الغرب، والقواعد الفقهية المقررة: الاجتماع على المرجوح خير من الاختلاف على الراجح، الخلاف شر، حكم الحاكم يرفع الخلاف، للأكثر حكم الكل، لا عبرة للظن البين خطؤه، كل هذه قواعد فقهية وأصولية تؤكد ضرورة اتباع الجماعة المسلمة وغالب المسلمين وترك قناعتك الشخصية حماية للمسلمين من الفرقة؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصومُ يومَ تصومون، والفطرُ يومَ تفطرون، والأضحى يومُ تُضَحُّونَ" [الترمذي وابن ماجة بسند صحيح]. أي أن الصوم والفطر يكون مع جماعة المسلمين وأغلبهم، وأغلب المسلمين في ألمانيا صاموا الخميس وأغلب العالم الإسلامي أيضًا، لابد من الوعي بأهمية الوحدة والتخلي عن الأهواء والقوميَّات والعصبيَّات لحزب أو جماعة أو دولة أو هيئة وتغليب مصالح المسلمين وجمع كلمتهم.

2. أهم مقصد للصيام التحرر من الشهوات والعادات: أعظم مقاصد الصيام على الإطلاق هو التحرر من الشهوات والعادات؛ لأنه لا سبيل لتحقيق التقوى المتغياة من الصيام إلا بعد التحرر، وقد كان الشيخ محمود شاكر رحمه الله يعده المقصد الأوحد للصيام وذلك بالنظر في القرآن الكريم الذي ربط كل الكفارات بالصيام، حيث تبدأ الكفارة بتحرير الرقاب ثم تنتهي إلى الصيام حال العجز عن التي سبقتها كما في كفارة القتل الخطأ، والظهار، واليمين قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... إلى أن قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 92]..

وكأنَّ الله تعالى يقول لمن استذلته نفسه فوقع في الذنب أو الخطأ حرِّر نفسك مما قيَّدها وأذلها إن لم يكن بتحرير غيرك بالعتق فبتحرير نفسك بالصيام، فالواجب علينا إن أردنا فقه حقيقة الصيام أن نبحث عن شيء نتحرر منه عادة أو شهوة، وأن نبحث عن طاعة عجزنا عن الانتظام فيها على مدار العام فنتحرر من سلطان النفس والشيطان عليها، ولعل أهم ما نحتاج إلى التحرر منه وتقليل ساعات نظرنا فيه هو الهواتف والشبكات التي أدمن عليها الصغار والكبار، نحن بحاجة إلى جعل شعارنا في رمضان: "الصيام الشبكي" أن نصوم ساعات طويلة عن الشبكات وأن ندخرها للقرآن والتأمل والعبادة.

3. التمركز حول القرآن في رمضان وإصلاح القلوب به: عظَّم الله تعالى شهر رمضان بالصيام فريضة والقيام تطوعا لأن القرآن أُنزل فيه قال تعالى:" ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] ومن أراد تعظيم رمضان وتكريمه فليكن بإصلاح علاقته مع كتاب الله عزوجل فيه بالإكثار من تلاوته حتى لو بغير تدبر؛ لأنه خير من لا تلاوة؛ قال اللهُ تبارَك وتعالى في الحديث القدسي: "أنا مع عبدِي ما ذكَرني وتحرَّكَتْ بي شَفَتاهُ" [ابن ماجه وأحمد بسند صحيح]. واجعل لنفسك في وردك اليومي من القرآن آية واحدة تتدبرها وتنزلها على حالك، أو ابدأ ختمة تدبرية بطيئة حتى لو فرغت منها بعد عشرين سنة.

4. أولادنا في الغرب وقيم رمضان: يجب أن نحرص على غرس القيم الرمضانية في أولادنا كالتقوى والمراقبة والخشية لله تبارك وتعالى والمتمثلة في سرية عبادة الصيام، وكذا ترسيخ الإيمان بالغيب في قلوبهم، والتدريب على الصبر على العبادة والصيام والقيام في زمن العجلة والسرعة، والشعور بالآخرين وإغاثتهم، وإدراك قيمة الوقت، وضرورة اجتماع العائلة على حلقة تلاوة قرآنية منزلية تدبرية بسيطة يتعلق بها الصغار ويترقبونها كل يوم من أيام رمضان برصد الجوائز وإيجاد روح التسابق والتنافس بينهم، واصطحاب الأسرة لصلاة التراويح في المساجد.

5. الاستثمار الرمضاني لبيان الإسلام: شهر رمضان فرصة كبرى للمسلمين في الغرب لبيان الإسلام لغير المسلمين وأول وأيسر وأهم دائرة هم الجيران من غير المسلمين بدعوتهم على الإفطار وتقديم الهدايا الرمضانية لهم، والحديث معهم عن الصيام كمدخل للإسلام وافتقار البشرية والعالم إليه اليوم في ظل طغيان المادية على الربانية، وهو فرصة أيضا للتواصل مع أتباع الأديان الأخرى ومد جسور الحوار والعلاقات معهم، وهو فرصة أيضًا للتواصل مع البلديات والسياسيين ومعايشة المسلمين في الأجواء الرمضانية الروحانية والاجتماعية، وأخيرًا يتعين علينا أن لا ننسى إخواننا المستضعفين والمحاصرين في غزة وفلسطين في رمضان وتفقد حاجاتهم الإنسانية والسعي لإغاثتهم وعونهم.

 

اللهم أعنا على الصلاة والصيام والقيام وبلغنا ليلة القدر، وزودنا من رمضان بالتقوى، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم وحد كلمتنا وألف بين قلوبنا وكن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وفي كل مكان سندًا ومعينًا ووليًّا ونصيرًا، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 20 فبراير 2026م

الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

خطبة الجمعة | الشتاء.. غنيمةُ العابدين

feather د. خالد حنفي

كيف نَجلو الصدأ عن قلوبنا قبل رمضان؟

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

خطبة الجمعة | الشتاء.. غنيمةُ العابدين

article title

كيف نَجلو الصدأ عن قلوبنا قبل رمضان؟

article title

في رحاب المدرسة الغَزية

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

خطبة الجمعة | الشتاء.. غنيمةُ العابدين

د. خالد حنفي

كيف نَجلو الصدأ عن قلوبنا قبل رمضان؟

د. خالد حنفي

في رحاب المدرسة الغَزية