path

خطبة عيد الفطر المبارك 1447هـ

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. 

أيها الإخوة.. هذا يوم الفرح بتوفيق الله على أداء الطاعات في رمضان، هذا يوم الجائزة، "فلِلصَّائمِ فَرحتانِ: فَرحةٌ عِندَ فِطرِهِ، وفَرحةٌ يَومَ القيامةِ" البخاري، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، ويوم العيد يشبه يوم الوعيد ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: 38-40]، نضر الله وجوهنا وبيضها بالطاعات المتقبلة في رمضان.

أيها الأخوة.. يأتي علينا العيد هذا العام وأُمَّتنا مثقلة بجروحها في عدد من البلدان والأقطار وجرحها الأكبر في فلسطين وغزة وصار المرء يخشى أن يعدد البلدان المثقلة بالآلام والنكبات فيغضب أهل بلد آخر نسيه أو لم يذكره لكثرتهم، يأتي علينا العيد ومسجدنا الأقصى المبارك مغلق في العشر الأواخر من رمضان وفارغ من المصلين يشكو إلى الله خذلان المسلمين وعجزهم، ويسأل في ألم وحرقة: أنا أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتي علىَّ ليلة السابع والعشرين من رمضان وأنا فارغ من المصلين والمتهجدين؟ فأين أمة المليار مسلم؟ ألم يتألموا لألمي ويشعروا بحزني؟ ولماذا عمرتم الحرمين الشريفين وتركتم أولى القبلتين، ألم يجمعهم الثلاثة نبيكم صلى الله عليه وسلم في حديث واحد؟!!

يأتي علينا العيد هذا العام ورحى الحرب دائرة، والإنسان يتوحش على أخيه الإنسان في غياب للحكمة والعقل، وحالة من الخوف والقلق تسود العالم، فمتى تضع الحرب أوزارها؟ ومتى ينعم العالم بالسلام والأمن؟ ومتى تتوحد الأمة وتعرف عدوها وتكف عن العدوان والإغارة على بعضها؟

يأتي علينا عيد الفطر هذا العام والتحديات تتضاعف أمام المسلمين في الغرب بعد المتغيرات السياسية المحلية والعالمية،  فيكثر الإلحاد والتشكك في الدين ويضعف الالتزام الديني في دوائر شبابنا المسلم في الغرب، ويضعف معها استقرار الأسرة المسلمة في الغرب، ورغم كل هذه التحديات ففي يوم العيد لابد أن نفرح ونُدخل السرور على أنفسنا وأولادنا مهما تعددت الآلام والجراحات؛ لنقوى بعد العيد على مواجهة التحديات وتجاوز الأزمات، فالفرح في يوم العيد سنةٌ نبوية، وفطرة بشرية، وطبيعة إنسانية، ويطيب لي في يوم عيد الفطر المبارك أن أتوجه بهذه الرسائل للمسلمين في الغرب:

1. أهمية وضرورة الوحدة وترسيخ المرجعية الأوروبية: إنَّ أُمَّتنا اليوم أحوج ما تكون إلى الاتحاد والتكتل ونبذ الفرقة، والاعتصام بحبل الله تعالى قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، والفُرقة مذمومة في كل الأحوال لكنها أشد ذمًا وسوءا في أوقات المحن والحروب والصراعات، فلابد من إحياء وتجديد مفهوم الأمة وتجاوز القطرية والقومية فأُمتنا أمة واحدة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ [المؤمنون: 52]، وإن حالة الاستقطاب التي ظهرت بعد الحرب الجارية الآن وانقسام أبناء الأمة المسلمة أمرٌ غير محمود وينذر بعواقب وخيمة ولابد من تجاوزه وإلجام نزوات العواطف بنظرات العقول، ورفع منسوب الوعى لدى أبناء الأمة وتغليب النظرة الكلية العامة على النظرة الجزئية القاصرة، والوعي بالسنن الإلهية في الأفراد والأمم والجماعات، وإذا كان الاتحاد والتكتل هو واجب الوقت بحق الأمة فإنه أوجب بحق المسلمين في الغرب، فالفُرقة تزيدهم ضعفًا على ضعف وتؤخرهم من حيث أرادوا أن يتقدموا وتفوت عليهم الفرص وتضاعف أمامهم التحديات، وما حدث في أول رمضان من انقسام واختلاف في بعض المدن والبلدان الأوروبية يجب أن لا يتكرر، ولا سبيل لمنعه وبلوغ الوحدة المنشودة إلا بتثبيت وترسيخ المرجعية الأوروبية للمسلمين وعدم متابعة أي دولة عربية أخرى أو الأوطان الأصلية للمسلمين في الغرب، فتجاوز المرجعيات الأوربية المستقلة التي تبني مواقفها وقراراتها على اجتهادات جماعية ومؤتمرات عالمية وبحوث ودراسات فقهية وفلكية، إنّ تجاوز هذه المرجعيات سبيل بَيِّنٌ واضح للعبث والفوضى وعدم الخروج من الإشكال رغم إمكانه.

2. تحصين أولادنا وإدراك تضاعف الخطر على الدين والهوية: تشير الدراسات الرصدية غير الموثقة والمشاهدات الواقعية تراجع الالتزام الديني لدى الجيل الجديد من أولاد المسلمين في الغرب وزيادة موجات التشكيك والإلحاد في صفوف الشباب وتأثر كثير منهم بها، والواجب على المراكز الإسلامية والأئمة والدعاة والأُسر المسلمة في الغرب تحصين أولادهم فكريًا وروحيًا ومتابعة ما يقرأون ويسمعون على المنصات والشبكات، والعناية بالرد على الشبهات الفكرية ردودًا علمية محكمة، وتجديد الدرس العقدي لينتج عقيدة راسخةً وإيمانًا متجددًا، ومن أهم وسائل وعوامل التحصين والحماية: الحفاظ على الأسرة المسلمة في الغرب من التفكك والشقاق والطلاق؛ فالأسرة هي أهم محضن تربوي لحماية الأجيال من خطر التشتت والذوبان وضياع الدين والهوية، وذلك بعد ضعف المؤسسات الأخرى أو غيابها كالمدرسة والمسجد أو المجتمع.

3. وجوب إحياء الربانية في زمن الخوف والحروب والصراعات: إنَّ حالة الخوف التي يحياها الناس اليوم وشعور الجميع أنه ليس بمنأى عن الخطر، وبين عشية وضحاها تتحول أكثر البلدان أمنًا ورفاهية وأمنية للعيش فيها إلى ساحة حرب غير آمنة يدفع الناس ثرواتهم للخروج منها، فالخوف عام في كل مكان وهو يسكن النفس فتتفاعل معه وتظهر آثاره وإن لم يشعر الإنسان بها، وكل الأمراض النفسية مرجعها إلى الخوف ولا سبيل لاستعادة الأمن النفسي والسكينة الداخلية وراح البال إلا بإحياء الربانية والعودة إلى الله تبارك وتعالى والحفاظ على الرصيد الإيماني والكسب الروحي الذي تحقق في رمضان قال تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40] فالسكينة والطمأنينة تنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بعد يقينهم أنهم في معية الله، وأعظم السبل لبلوغ السكينة والطمأنينة القلبية ذكر الله عزوجل قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

4. حاجة وافتقار العالم اليوم إلى أنوار الإسلام وهداياته: إنَّ العالم اليوم يساق إلى الهاوية ولا يوجد رجل رشيد يوقف حمام الدم واتساع رقعة الحروب وتدمير الإنسان والبنيان، يغيب العقل والرشد والحكمة وتتضخم الأنا وتدفع البشرية ثمن الاستكبار العالمي باسم التمدن والتحضر، وهذا المشهد يؤكد افتقار البشرية وتعطش العالم لهدايات وأنوار الإسلام ليملأ فراغها ويعمر خرابها ويخرجها من حالة التيه التي تحياها، فرسالة الإسلام هي رسالة الرحمة للعالم كله قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، لكن لابد أن ينعم المسلمون برحمانية الإسلام وأن يعيشوا في ظلال أنواره أولًا قبل أن ينيروا به الطريق لغيرهم.

5. الاستبشار والتفاؤل وتجنب الإحباط واليأس: إنَّ المشهد العالمي الذي نراه اليوم والجلوس أمام شاشات التلفاز وقنوات الأخبار لساعات يملأ المرء يأسا وإحباطا، ويُفقد الأجيال الجديدة الأمل في غد أفضل، ولكن المسلم يجب أن لا يعرف اليأس والانكسار مهما تعددت أسبابه، وقد قرأنا القرآن في رمضان ورأينا خطه البياني العام وأن الطغيان والفجور يُستدرج أصحابه ثم تكون عاقبتهم إلى الزوال والاستبدال، وقد استجمعت القوى العالمية بطغيانها وظلمها أسباب الاستبدال والتداول الحضاري ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]، والمسلم أبدًا في صف المظلوم والمعتدى عليه أيا كان دينه، وهو يُغلِّب المبدئية على المصلحية، والنظرة الاستشرافية على الآنية اللحظية.

6. اجتماع الجمعة والعيد: أيها الأخوة .. اجتمع لكم في يومكم عيدان الفطر والجمعة فمن شاء أجزأه العيد عن الجمعة شريطة أن يصلي الظهر في وقته، ومن كانت لديه سعة من الوقت صلى العيد والجمعة كلٌ في وقته ونحن سنقيم صلاة الجمعة في وقتها إن شاء الله، وترجيح إجزاء العيد عن الجمعة هو الأنسب لمسلمي أوروبا وهو قولٌ يستند إلى أدلة نقلية وعقلية؛ فالنقلية: حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" قدِ اجتمعَ في يومِكم هذا عيدانِ فمن شاءَ أجزأَهُ منَ الجمعةِ وإنَّا مجمِّعونَ" أبو داود بسند صحيح، والعقلية: تحقق معنى الجمعة في العيد وهو الاجتماع وسماع الموعظة. أيها الأخوة... صِلوا أرحامكم في يوم العيد، وروِّحوا عن أنفسكم ترويحًا منضبطًا بضوابط الشرع، ووسِّعوا على أقاربكم، واشكروا نعمة ربكم، وأعلموا أنَّ عيدنا الأكبر يوم تحرير الأقصى والمسرى، وتحرير الأمة من قبضة الاستبداد والطغيان. اللهم اجعل هذا العيد عيدًا مباركًا على أمة الإسلام، وفرِِّج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، وكن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين سندًا ومعينًا ووليًا ونصيرًا، وأنج المستضعفين من المؤمنين، وعليك بالملأ من الظالمين، تقبل الله طاعتكم وكل عام أنتم بخير. 

مسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 20 مارس 2026م

د. خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

حصادُ رمضان | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

أعمال الخواتيم | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

حصادُ رمضان | خطبة الجمعة

article title

أعمال الخواتيم | خطبة الجمعة

article title

حاجةُ المسلم المعاصر للاعتكاف والخلوة | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

حصادُ رمضان | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

أعمال الخواتيم | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

حاجةُ المسلم المعاصر للاعتكاف والخلوة | خطبة الجمعة