مدارج الصائمين.. حقيقة الصيام عند السلف

حقيقة الصيام ومراتبه عند أهل البصيرة
اعلم أنَّ الصوم في حقيقته ليس مجرّد إمساكٍ عن الطعام والشراب والجماع، كما يظن كثير من الناس، وإنما هو عبادة جامعة، ومقام عظيم، ومجاهدة للنفس والجوارح، يُراد بها تزكية الظاهر والباطن، وتربية العبد على مراقبة الله تعالى في السر والعلن.
فالصيام الشرعي أوسع معنى، وأعمق مقصدًا؛ إذ هو إمساكٌ شامل، لا يقتصر على شهوة البطن والفرج، بل يمتد ليشمل الجوارح كلها عن الوقوع في الآثام، والانجراف وراء الهوى.
ولهذا قيل:
إن الصوم إمساك الجوارح عن المخالفات، كما هو إمساك البطن عن الشهوات.
فصومُ اللِّسان: حفظه عن الكذب، والغيبة، والنميمة، والفحش، والخصومة، وليشغلْه بالذكر وقراءة القرآن، فإن اللسان أخطر الجوارح، وأكثرها جرًّا للآثام، وأسرعها في إفساد العمل إن تُرك بغير زمام.
وصومُ البصر: كفُّه عن النظر إلى ما يُكره، مما حرّمه الله أو كرهه، فإن النظر بريد القلب، وما أفسد القلوب مثل إطلاق البصر فيما لا يحل.
وصومُ السمع: كفُّه عن استماع كلِّ مكروه، من غيبة أو لغو أو باطل، فإن السمع شريك اللسان، وما يُقال يُكتب على قائله وسامعه إن رضي به.
وكذلك سائرُ الجوارح؛ فتصوم اليد عن البطش، وتصوم القدم عن السعي إلى الحرام، ويصوم القلب عن التعلّق بما لا يرضي الله.
فإذا صامَ بطنُه وفرجُه، وأفطرَ لسانُه وبصرُه وسمعُه، فما أقلَّ حياءَه من الله، وما أعظمَ اغترارَه؛ إذ كيف يطمع في ثواب الصائمين، وهو لم يحقّق من الصيام إلا صورته، وضيّع روحه ومقصده؟
ولهذا كان من أدب الصائم، ومن تمام صيامه، أن يكون عليه وقارُ الصيام وسكينته، فلا يكثرُ من الكلام، ولا ينشغل بالمزاح، ولا يدخل في خصومة أو جدال، فإن الصيام مدرسة للحِلم، ومجال لتربية النفس على ضبط الانفعال.
فإن شُتم أو أُوذي، لم يردّ السوء بالسوء، بل قال كما أرشد النبي ﷺ:
«إني صائم».
وكان هذا الخلق ظاهرًا في حال السلف الصالح، الذين فهموا الصيام فهمًا عمليًا، لا نظريًا فقط؛ فكانوا إذا صاموا جلسوا في المساجد، وقالوا:
"نحفظُ صومَنا ولا نغتابُ أحدًا".
فهم لم يروا الصيام امتناعًا عن الطعام فحسب، بل رأوه عهدًا مع الله بحفظ الجوارح، وصيانة اللسان، وتطهير القلب.
ثم بيّن أهل العلم أن للصوم مراتب، تختلف باختلاف حال العبد وصدق توجهه، فقالوا:
إن للصوم ثلاثَ درجات: صومَ العموم، وصومَ الخصوص، وصومَ خصوصِ الخصوص.
فأمَّا صومُ العموم: فهو كفُّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وهو أدنى مراتب الصيام، ويشترك فيه عامة الناس.
وأما صومُ الخصوص: فهو مع ذلك كفُّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وهو صيام الصالحين، الذين قصدوا تهذيب النفس، لا مجرد أداء العبادة صورة.
وأما صومُ خصوصِ الخصوص: فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار الدنيوية، وكفُّه عمّا سوى الله عز وجل، فلا ينشغل إلا به، ولا يتعلّق إلا برضاه، وهو صيام العارفين، وأهل القلوب الحية.
وهكذا يتبيّن أن الصيام ليس درجة واحدة، بل هو مراتب، يتفاضل الناس فيها بحسب صدقهم، ومجاهدتهم، وحضور قلوبهم، ومن عرف هذه الحقيقة علم أن أعظم الخسارة أن يخرج رمضان، ولم يخرج العبد منه إلا بالجوع والعطش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: ابن قدامة المقدسي (ت 620هـ)
مختصر منهاج القاصدين
- الكلمات الدلالية
- استقبال رمضان
- الصيام
- الصائمين
- رمضان
- السلف
إدارة الإعلام