بين الشوق والاستعداد: استقبال رمضان كما كان عند السلف

شهرُ رمضانَ شهرٌ عظيمٌ مبارك، اختصَّه الله من بين سائر الشهور بفضائل لا تُدرك غايتها، ولا يُحيط العبد بحصر خيراته وآلائه؛ فهو شهر القرآن، وشهر الصيام، وموسم الطاعات، وميدان السباق إلى الخيرات، ومنحة ربانية تتنزّل فيها الرحمات، وتُغفر فيها الزلات، وتُرفع فيها الدرجات.
وقد كان السَّلفُ الصالح رضوان الله عليهم أعرفَ الناس بقدر هذا الشهر، وأبصرَهم بحقيقته، وأحرصَهم على اغتنامه؛ فكانوا يُعظِّمونه حقَّ التعظيم، ويتهيَّؤون لاستقباله قبل حلوله، علمًا منهم بأن المواسم إذا لم تُغتنم فات خيرها، وأن الأعمار قصيرة، والفرص لا تعود.
ولهذا طال شوقهم إلى رمضان، وكثر تضرعهم إلى الله أن يبلِّغهم إيّاه، ثم أن يتقبَّله منهم بعد انقضائه؛ إذ كانوا يعلمون أن التوفيق للعبادة نعمة، وأن القبول أعظم منها.
فكان معلَّى بن الفضل رحمه الله يقول:
«كانوا يدعونَ اللهَ ستةَ أشهرٍ أن يُبلِّغهم رمضان، ثم يدعونه ستةَ أشهرٍ أن يتقبَّله منهم».
وهذا يدل دلالة واضحة على أن قلوبهم كانت متعلقة برمضان على مدار العام، لا ينتظرونه انتظار العادة، وإنما انتظار العابد المشتاق، الذي يرى فيه فرصة العمر، وميدان الفوز، ومفتاح القرب من الله تعالى.
وكان من دعائهم أيضًا ما رُوي عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله أنه كان يقول:
«اللهم سلِّمْني إلى رمضان، وسلِّمْ لي رمضان، وتسَلَّمه مني متقبَّلًا».
فهذا الدعاء الجامع يجمع بين سلامة البدن، وتوفيق العمل، وحسن القبول، وهي غاية ما يتمناه المؤمن الصادق.
وإنما كان هذا الحرص، وهذا الدعاء، وذلك الاستعداد؛ لما كانوا يعلمونه من عظيم قدر هذا الشهر، وشرف زمانه، وكثرة ما أعدَّ الله فيه لأهل طاعته من الكرامة؛ ففيه تُفتح أبواب الجنان، وتُغلَّق أبواب النيران، وتُصفَّد الشياطين، وتتنزّل الرحمات، ويقبل الله على عباده إقبالًا خاصًّا، فيدعوهم إلى التوبة والإنابة، ويضاعف لهم الأجور، ويقيل فيه العثرات.
ومن وفقه الله في هذا الشهر لصيام نهاره إيمانًا واحتسابًا، وقيام ليله خضوعًا وإنابة، وحفظ لسانه عن اللغو والآثام، وحفظ فرجه، وغض بصره، وكف جوارحه عمّا لا يرضي الله؛ فقد نال حظًّا عظيمًا، وربح ربحًا مبينًا، وسار في طريق الفائزين.
وأما من أضاع رمضان، وفرّط في أيامه ولياليه، وأطلق جوارحه فيما حُرِّم، وأمضى أوقاته فيما لا ينفع؛ فقد خاب وخسر، وعرّض نفسه للحرمان، إذ كيف يُؤمَّل الخير ممن ضيّع أعظم مواسم الخير؟
ولهذا كان السلف الصالح إذا دخل رمضان اشتدَّ اجتهادهم في العبادة، وتغيّرت أحوالهم، وتفرغوا لتلاوة القرآن، وتدبّره، والعمل به، وكانوا يرون أن رمضان ليس شهر انشغال بالدنيا، ولا موسمًا للتوسّع في المباحات، بل شهر تزكية وتخلية وتحلية.
وكانوا يكرهون أن يُخالطوا صيامهم شيءٌ من شواغل الدنيا التي تصرف القلب، صيانةً للصيام، وتعظيمًا لحرمته، وحفظًا لروحه ومقصوده؛ إذ ليس الصيام مجرّد ترك الطعام والشراب، وإنما هو مدرسة للتقوى، ومجال لتربية النفس على الإخلاص والمراقبة.
فحقيقٌ بمن عرف قدر هذا الشهر، وعلم شرفه، وأدرك سرعة انقضائه؛ أن يستعدَّ له قبل دخوله، وأن يعزم على اغتنامه، وأن يعقد النيّة الصادقة على عمارة أوقاته بالطاعة، وأن يحذر كل الحذر من تضييع ساعاته فيما لا ينفع، فإن العمر قصير، والمواسم سريعة الانقضاء، والسعيد من وُفِّق، والشقي من حُرم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ)
كتاب: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف
- الكلمات الدلالية
- رمضان
- استقبال رمضان
- الصيام
- ابن رجب الحنبلي
- التراث
- السلف
- لطائف المعارف
إدارة الإعلام