مضار الغلظة في التربية

تكلمنا في مقال سابق عن اللين والقوة في التربية، ووعدنا بتفصيل مضار
التربية، ونقول: إن مَن يُربي ولده، أو تلميذه بالغلظة والخشونة، ويعامله بالقسوة
والإهانة يطبع في نفسه أخلاقًا فاسدة، وسجايا رديئة؛ تكون سبب شقائه في أحواله
وعلة خذلانه في أعماله، فمن تلك السجايا:
(1) بُغض الوالد المربي ونحوه، والتربية الصحيحة النافعة لا تقوم إلا
على أساس المحبة. وبُغض الولد لوالده أو معلمه، يحمله على عدم تلقي شيء من
نصائحه بالقبول في نفسه؛ لأنه يُعد تلك النصائح إهانة وتعذيبًا، وتحكمًا سببه القوة
والاستعلاء، ومَن لا يُحب والده ومعلمه، لا يحب وطنه وأمته بالضرورة.
(2) الظلم عند القدرة، والتحكم بالغير عند الإمكان، والانتقام لمجرد شفاء
الغيظ وإجابة داعي الغضب.
(3) الكذب، فإن مَن يتوقع الانتقام على عمل أو قول يعتقد أنه لا يُرضي
مربيه – يندفع إلى إنكاره.
(4) المكر والحِيَل.
(5) الذلة والمَهانة.
(6) الغِلْظة والقسوة.
وهذه الصفات في الظاهر كالمتناقضة، ولكن آثارها تُشاهَد فيمن يتربون هذه
التربية السُّوأَى؛ فإن أحدهم يقسو أشد القسوة على مَن دونه، ويذل أقبح الذل لمَن
فوقه، فهو بعيد عن الفضيلة وكرامة النفس في كل حال.
وإن أمة هذا شأن أفرادها لا يمكن أن تسود على غيرها، أو تستقل في نفسها؛
لأن كرامة النفس وفضيلتها هما روح السيادة والاستقلال.
(7) الرضا بالضَّيم وهضم الحقوق – مهما كانا – من قوي أو حاكم ظالم.
(8) عدم الرضا بالحق طوعًا؛ حيث يهضم حقوق الآخرين إذا قدر، كما
يخنع لهم إذا هضموا حقوقه.
وهاتان الرذيلتان مرتبطتان بما تقدم ومِن آثاره، وهكذا ترتبط الرذائل بعضها
ببعض؛ فتكون سلسلة واحدة.
(9) الخيانة.
(10) الحقد.
(11) الحسد.
(12) الوقاحة والتهتُّك:
فإن مَن يُعامَل بالإهانة قولاً وفعلاً يذهب حياؤه بالضرورة، ويزول انفعاله،
مما يذم ويجلب اللائمة؛ لاعتياده عليه من أول النشأة، وكفاك بفقد الحياء بلاءً؛
فإنه ينبوع الفضائل والكمال، والزاجر النفسي عن سيئات الأعمال، لا سيما إذا كان
ميزان الحُسن والقُبح هو الشرع، وقد جاء في الحديث الشريف: (لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ،
وخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ)

(13) وطوءة الهمة:
لأن عُلوّ الهِمَّة لا يكون إلا لأصحاب النفوس الشريفة العزيزة. وإن علوّ الهمم
ركن من أركان تقدم الأمم؛ ولذلك قال – صلى الله عليه وسلم -: (عُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنَ
الإِيمَانِ) .

(14) ضعف الإرادة وخمود العزيمة:
وأي جوهر لا ينسحق بشدة الضغط؟ وأي نار لا تنطفئ بفيضان طوفان
الجَوْر والإهانة؟ ، وهل ينجح فرد من الأفراد تجرف إرادتَه وعزيمتَه سيولُ الجور
والاستبداد؟ ! كلا.
(15) فَقْدُ الاستقلال الشخصي:
لأن الذين يربُّون أولادهم بالشدة والعنف لا يدَعون لهم مجالاً للاستقلال في
شؤونهم والاعتماد في مصالحهم على أنفسهم؛ فيكون أحدهم كَلاًّ على مولاه أينما
يوجِّههُّ لا يأتِ بخير! ، فهل يستوي هو ومَن يُرَبَّى على مبدأ الاستقلال والاعتماد
على سعيه في كل الأعمال؟ ! كلا {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (النجم:9).
(16) فقد الاستقلال الفكري والعقلي:
وسببه أن من شِنْشِنَة هؤلاء القُساة – الذين يُربون الأولاد بالشدة والفظاظة –
أنهم لا يقبلون لمَن يربونه رأيًا، ولا يستحسنون له فكرًا – وإن كان حسنًا في نفسه-
ولا يجعلون لهم حقًا في إبداء رأي أو اقتراح أمر أو المشاركة في مصلحة،
وإن ظهر منهم شيء من هذا قُوبلوا بالتفنيد واللّوم الشديد؛ فتَخْمُد نار لَوْذَعيتهم،
وينشئون على التقليد الأعمى، فإذا أخذوا بعد الكبر في الاشتغال بالعلوم، أو
الأعمال التي يُحتاج فيها إلى الفكر والرَّوِيَّة – لا ينجحون أبدًا، لا سيما إذا كان
تعليمهم على نسق تربيتهم كما هو الغالب في بلادنا، أو في الشرق كله؛ وذلك لأن
مَن يرى قُصارى نجاحه أن يعلم ما قيل – من غير تمييز ولا تزييل – لا يهتدي إلى
تحرير الدلائل، ولا يقف على حقائق المسائل؛ لأن الأقوال في كل شيء متعارضة
والآراء في كل مشكلة متناقضة، فمَن لا يجتهد يخيب، (ولكل مجتهد نصيب) .
(17) فقد الحرية في القول والعمل:
وهو الذي يحمل على ما ذكرنا أولاً من الكذب والمكر والحيلة، وعندي أن
التربية الصحيحة الكاملة تتوقف على معرفته جميعَ شؤون المُرَبَّى النفسية والعملية،
ولا يمكن أن يقف المربي على هذا إلا بالتحبُّب إلى المربَّى وإعطائه الحريةَ التامة
في إبداء كل ما يعنُّ له، وإطلاع مربيه عليه، ولا تنجلي هذه المسألة إلا بشرح
طويل لا تسعه هذه النُبذة.
ويكفينا أن نقول: إذا علم الوالد أو المعلم أن الذي يربيه قد عرض له
الرسيس (أول الحب)، وخاف عليه الشغف والولوع في العشق، ولم يقدر على
أن يحُول بينه وبين الغرام، من حيث لا يشعر – فينبغي له أن يجذبه بزمام اللطف
ويسلس له؛ حتى يكاشفه بما في نفسه، ويستشيره في كل أمره؛ وبذلك يتسنّى له
أن يقيَه مصارع الهوى، ويقف به في الحب عند حدود الشرف.
(18) الدناءة.
(19) اللؤم.
(20) كُفر النعمة.
هذا أقبح وأضرّ ما يتولد من الغلظة والقسوة في التربية من الرذائل، ولو
استملينا الفكر لأمْلى علينا غير ذلك؛ لا سيما إذا لاحظنا ما يحتفُّ بالغلظة من هُجْر
القول وسيء العمل؛ مما يُهوِّن على الوِلدان القذْع بألفاظ الفُحش وبذاءة اللسان، ولو
قلت: إن من سيئات هذه التربية الاندفاع إلى ارتكاب الجنايات الكبرى كالسرقة
والغصب والضرب، بل والقتل بنحو سُمٍّ أو غيره – لكنت غير مبالغ، فعلى مَن
يهمهم تربية أولادهم أن يُمعنوا النظر فيما ذكرنا، وعسى أن يلتفت إليه الذين
يتكلمون في ضعف الأمة، ويبحثون عن أسباب قوتها؛ فيوافقون على أن سوء
التربية أصل كل فساد، وبإصلاحها يتم كل رشاد.
ونسأل الله تعالى أن يهبنا جميعًا التوفيق والسداد.

***

بقلم: العلّامة/ محمد رشيد رضا

المجلد رقم «2» ربيع الأول – 1317 هـ – مضار الغلظة في التربية

المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس الأوروبي للأئمة