القرآن الكريم

 يعلّم الناس الاهتمام بزمانهم والانفتاح على الناس، ولذلك نزلت سورة الرّوم المكية( الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) [الروم:1- 3[ 

نزلت تُعزّي المسلمين وفيهم نبيهم عليه السلام أنّ إخوانهم من أهل الكتاب(الرّوم) أصيبوا بقرح الغلبة من لدن غير أهل الكتاب، سمع المسلمون بتلك الهزيمة فحزنوا فجاء القرآن يعزّيهم ويسلّيهم ويعدهم أنّ الرّوم المغلوبة ستغلب بعد سنوات قليلات.

أيّ فرق نوعيّ بيننا نحن اليوم؟

و كيف نفكّر وبين الأصحاب؟، أيّ شانئات علقت بنا حتى أضحت مسَلّمات هنّ أمّ الكتاب؟ أيّ علاقة تصل المسلمين المقهورين في مكة بالرّوم الذين يبعدون عنهم آلاف الأميال حتى يحزنوا على هزيمتهم؟ ألسنا أحكم منهم إذ نقول بما لا يجد منّا جميعا -إلاّ قليلا من قليل ممّن رحم الله بمنهاج تفكيريّ إسلاميّ صحيح- إلاّ الارتياح والابتهاج ،اذ نقول:( الكفر ملّة واحدة –  واللهمّ إضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين).

 نزل عليهم ذلك وهم بين فكّي رحى القهر والقمع من لدن قريش وليس وهم آمنون في المدينة، ألا يعني ذلك أنّ المسلم – بل المسلمين كلّهم- مدعوّون إلى الانفتاح تفكيراً واهتماما على الناس من غيرهم بغضّ النّظر عن وضعهم أمنا أو خوفا؟

رحم الله إمرأً عرف زمانه

جاء في أثر صحيح وليس هو حديث نبويّ  (رحم الله إمرأً حفظ لسانه، وعرف زمانه، واستقامت على الله طريقته) هذا المعنى صحيح قطعاً، فهذه القيمة هي التي ثبّتها القرآن الكريم إذ جمع في أكثر من موضع منه بين قيمتي الكتاب أي القرآن الكريم والميزان الذي يسمّيه أحيانا حكمة المسلم ،فما بالك بالإمام المصلح ـ لا يفرّق بين ظالم وظالم إهتماماً.

أمّا الإصلاح والانخراط فيه فذاك ميزان أو حكمة تقدّر بقدرها، إذا كان الإسلام لم يتردّد أن قصّ علينا قصّة بطلتها هرّة أدخلت صاحبتها النّار، وأخرى بطلها كلب أدخل صاحبته الجنّة، وثالثة بطلتها ناقة لعنت فحرّرت، ورابعة بطلتها نملة أحرق نبيّ منها آلافا مؤلفة إذ قرصته واحدة منهنّ فحسب .. 

إذا كان ذلك كذلك فلا شكّ أنّ الإسلام يغذونا بقيمة الرحمة والعدل والإحسان والرّفق غذواً عجيبا دون تمييز بين كائن وكائن إذ قال عليه السلام( في كلّ ذات كبد حرّى أجر) [صحيح البخاري[ 

الإمام عليه أن يعرف زمانه قبل أن يعرف زمان غيره

الإمام عليه أن يعرف زمانه قبل أن يعرف زمان غيره كائناً من كان غيره، إذ أنّ العصمة العظمى للوحي الكريم وهو الذي يحقن الناس بالقيم التي بها يصلحون، ولو شهد زماننا هذا رجالاً نتعلّم منهم وقد ماتوا منذ قرون طويلات لفعلوا مثل ما فعل أحدهم أي الإمام الشافعي الذي إشتهر بمذهبيه : مذهب العراق ومذهب مصر والمسافة بينهما مسيرة أسابيع في تلك الأيام. فكيف إذا كان المسير بيننا وبينهم سنوات ضوئية؟

 أليست قصّة (بيع السّلم) إلاّ مشهداً من مشاهد معرفة الزمان وحسن معالجته؟ إذ جاء عليه السلام إلى المدينة ناهيا عن بيع السّلم (وبيع السلم هو حضور الثمن وغياب المثمون) أي على الضدّ من بيع الأجل فما إن علم بأنّ بيع السلم حاجة للناس انتظمت بها معاملاتهم (والحاجة تنزل منزلة الضرورة) حتى أباحه بالقيود التي ذكرها في الحديث الصحيح. 

ومثل ذلك عقد (الاستصناع) في زمن عليّ عليه الرّضوان، والتضمين على خلاف الأصول،إذ لا مناص للإمام من التمييز بين الأصل المعصوم الحاكم وهو الشريعة وبين الفقه الذي تختلف أحكامه الظنّية وفتاواه من زمان لزمان ومن مكان لمكان.

فعلى الإمام اليوم أن يلتقط بحكمة وذكاء المشكلات التي تطحن الناس بغض النظر عن دينهم طحنا فهي المقدّمة درسا ومعرفة وبحثاً.

 وهو الذي سمّي قديما وحديثا : فقه المحلّ أو فقه المآل أو فقه الواقع،إذ على الإمام أن يدرك المقصد الأعلى الأسنى الأعظم الذي ما تنزلت شريعة الرحمان سبحانه إلاّ لتحققه ولقد أجمع الناس غابرهم وحاضرهم أنّ ذلك ليس سوى نُشدان مصلحة الإنسان من حيث أنه نوع أو جنس، ولا يعني ذلك مداراة أهوائه كما يريد الذي يشغبون على ذلك عندما لا يوافق ذلك أهواءهم.

قائد رحلة الفقه المقاصديّ

الإمام الشاطبيّ عليه الرّحمة إذ أفاض في ذلك بما لم يكد يترك لغيره موضع سمّ خياط فيه هو نفسه القائل أنّ الشريعة إنما جاءت لقمع الأهواء، أظنّ أنّ تحديات زماننا معلومة منا معروفة لفرط استبدادها بنا، ومنها أنّ الناس بعضهم لم يفقه من رسالة الدين إلاّ قليلا لا يكاد يسمن من جوع ولا يغني، وبعضهم أغوته الدنيا ببريقها وبما تجنّد لها من سراب الحضارة الغربية. وبعضهم أختلط الذلّ بعصبه ولحمه وشحمه اختلاطاً عجيبا فأعماه، فهو لا يرى عدا منفعته العاجلة، وللذلّ سلطان لا يقاوم.

 كما حقّق ذلك صاحب  (طبائع الاستبداد) أي الكواكبيّ، غرضي هنا هو أن أذكّر نفسي وإخواني الأئمة أنّ عصرنا أولى بالمعالجة،أما ابتلاع بطون الكتب وما روت من تحديات تصدّى لها رجال ذلك الزمان فهو حفظ، والإمام مدعوّ إلى العلم ثمّ إلى الفقه والإصلاح وليترك الحفظ لأهله.

 من تلك التحديات العظمى التي تأتي اليوم على كثير من الأخضر واليابس مشكلات الأسرة، ولا شكّ أنه ما من إمام من أئمة أروبا إلاّ وقد عرضت عليه قضايا طلاق وخلافات مرّات ومرّات،(رحم الله إمرأً عرف زمانه ثمّ إستقامت على الله طريقته) والله أعلم

نُشر بواسطة الشيخ الهادي بريك

عضو المكتب التنفيذي للمجلس الأوروبي للأئمة

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *