إنّه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون | من سنن الله في النّفس والحياة

الشيخ الهادي بريك

الشيخ الهادي بريك

عضو المكتب التنفيذي للمجلس الأوروبي للأئمة

إنّه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون

ورد هذا القانون في سورة يوسف عليه السّلام وهو على لسان نبيّ الله يعقوب عليه السّلام. إذ حرّض بنيه على التحسّس من يوسف وأخيه. وعبّأهم رجاء في الله وأملا فيه فقال لهم (إنّه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون). كالعادة سنّة ماضية حاكمة لا تتخلّف في ثوب جملة إسمية مؤكّدة. صحيح أنّ الأيّام التي تفصله عن فلذة كبده يوسف عليه السّلام طويلة وهي عاتية أليمة. وصحيح أنّه فقد ابنه الآخر من بعد يوسف. هكذا تتتابع الآلام في الحياة الدّنيا وتتعاقب وتترى مدلهمّة حالكة.

وما ذلك سوى ليمحّص الله سبحانه الصّابرين من المرجفين والمؤمنين من المنافقين. إذ لولا الابتلاء لتدثّر كلّ واحد منّا بدثار أبي بكر أو الفاروق أو غيرهما من الذين صبروا حتّى أصبح الصّبر لهم سليقة. الرّوح: مصدر من فعل راح يروح روحا وروحانا. الرّوح أصله العود والثّوب والأوب. روح الله يعني عود فضله وثوب رحمته وأوب كرمه ومجيء حلمه. ذلك أنّ الله سبحانه هو من يروح على عبده فيأذن بروحان عبده إليه. كما أنّه هو من يتوب على عبده فيتوب عبده إليه. وليس يفهم ذلك فهما جبريا يعدم إرادة الإنسان في التّوب أو الثّوب. ولكن لا يتوب تائب ولا يثوب ثائب ولا يؤوب آئب إلاّ بإذن التّواب سبحانه. الرّوح هنا أعمق من الرّحمة. فإذا راح الله إلى عبده رحمه. قال في أهل الجنّة من المقرّبين (فروح وريحان). روح عليهم بكلّ شيء ماتع لذيذ سارّ. ورضوان الله سبحانه عليهم هو أروح الرّوح. صيغ هذا القانون بصيغ أخرى في الكتاب العزيز منه قوله سبحانه على لسان إبراهيم الخليل عليه السّلام (ومن يقنط من رحمة ربّه إلاّ الضّالون). اليأس هو القنوط. والرّوح هو الرّحمة. والكافرون هم الضّالون.

قال العلماء بحقّ: أعظم الذّنب هو اليأس من رحمة الله سبحانه. وهذا متوافق كلّ التّوافق مع أنّ الشّرك هو أكبر الذنب. ذلك أنّه لا يشرك بربّه امرئ حتّى يمتلئ صدره يأسا منه وقنوطا من رحمته. مهما احلولكت اللّيالي حول إسرائيل عليه السّلام وادلهمّت حتّى كانت كقطع اللّيل المظلم فإنّها لم تغتصب منه شعاع الأمل في ربّه أنّه يجمعه بفلذة كبده. وبمثل ذلك امتلأ فؤاد الخليل إيمانا وثقة ويقينا أنّه يرزق الولد على الكبر والعقم. لو طلب من العبد الفقير اجتراح عنوان لهذا الدّين ما تردّدت طرفة عين لأقول أنّه دين الأمل والرّجاء واليقين والثّقة والعزم الذي لا يعرف تردّدا ولا تلعثما. لو لم تكن في هذا الدّين عدا هذه الفضيلة لكفته وزيادة. فكيف وكلّه فضائل ومحامد؟ من ملأ صدره بالأمل في ربّه سبحانه عند ادلهمام الظّلمات من حوله تغشاه غشيانا فهو المؤمن الحقّ. الحديث عن الأمل في الله والرّجاء فيه أيسر من شرب الماء الزّلال. ولكنّ كسبه أشقّ من تحويل الرّاسيات الشّامخات من الشّرق إلى الغرب. إلاّ من يسّر الله له ذلك. بين المرء والكفر شعرة رقيقة دقيقة باطنها الأمل فيه وظاهرها اليأس منه. وما عدا ذلك صور ومظاهر وأشياء نتقلّدها في الأذقان وعلى الرّؤوس. سرعان ما نبرح الإملاجات المعتّقة التي تجعل منّا مؤمنين حقّا ثمّ نهرع إلى تلك الصّور والمظاهر. وسرعان ما ننخدع بها.

ولذلك جاءت مشاريع المصلحين في كلّ زمان تردّنا إلى العبادات القلبية التي بها هي نكون مؤمنين موقنين من مثل الرّجاء والأمل والخوف والحبّ والضّراعة وما يختلج في الأفئدة ويعمّر القلوب. كلّ إصلاح دينيّ لا يضع هذا في خطّته محكوم عليه بالفشل. الأمل في الله سبحانه له أسبابه هو كذلك. من تلك الأسباب تذكية الأمل في النّفس التي بها يمخر المرء عباب الدّنيا بمشاقّها مخرا صابرا دائبا. فمن فقد الأمل في نفسه لن يكون آملا في ربّه. ومن تلك الأسباب كذلك الأمل في الإنسان الذي يقيّضه الله سبحانه للسّعي في حاجة أخيه الإنسان. أمّا القائلون أنّا في الله آملون وفي النّاس قانطون فهم أكذب النّاس. بعضهم يقول ذلك تواضعا. ولكنّه تواضع مزيّف. لذلك علّمنا سبحانه أنّه ينصر نبيّه محمّدا عليه السّلام بنصره وبالمؤمنين أنفسهم كذلك. وعلّمنا أنّ الاستعانة به سبحانه قيمة تتحقّق بالاستعانة بالصّبر وبالصّلاة. وهذا يعني أنّه على النّافر لأجل طلب الأمل في الله سبحانه أن يتسلّح بأمل في نفسه ليصبر ويصلّي وبأمل في النّاس. عدا أنّ هذا القانون العظيم منضبط بقانون آخر يحدّ من غلوائه إذا غالى صاحبه. تلك هي القيم: لا مناص لها من نسبيّة حتّى تتكافل فلا تتصادم. القانون الآخر عنونه (فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون). وبذلك تكون النّفس دوما تحت سقف الأمل في روح الله سبحانه سيما إذا أسرفت إسرافا ومنضبطة بسقف عدم الأمن من مكر الله سبحانه. النّفس مثل المفاعل الكيميائيّ الذي يتركّب منه الماء. فإن فقد عنصرا من عناصره الكيميائية لم يعد ماء ينفع النّاس. التّطواح بالأمل دون حدود لا يجعل المرء آمنا من مكر الله سبحانه. والخوف منه سبحانه دون حدود لا يجعله آملا في روحه. هي معادلة على المؤمن حسن معالجتها في نفسه بنفسه

إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها

ورد هذا القانون في سورة النّمل المكية وعلى لسان امرأة هي بلقيس ملكة سبإ. كالعادة بجملة إسمية مؤكّدة. جاء في سياق حوارها مع جندها في المجلس القوميّ للأمن. هذه امرأة احتفى بها القرآن الكريم كثيرا. أخبرنا أنّها كانت على خلق عظيم. هو خلق الشّورى ونبذ الاستبداد بالرّأي. كما أخبرنا عن حكمتها. إذ هي صاحبة هذا القانون   وهي التي اختبرت سليمان عليه السّلام بهدية لتنظر هل هو ملك يريد الدّنيا فيستزيد أم هو نبيّ يريد الله فيركل هدايا الأرض. ثمّ أخبرنا سبحانه أنّها أسلمت مع سليمان. تدرّج جميل في حياتها: كأنّ الله يريد أن يعلّمنا أنّ الإسلام ليس صدفة عمياء أو لحظة صمّاء لا مقدّمات لها. كأنّ الإسلام رحلة رشد بدأت بكرامة الإنسان الذي لا مناص من استشارته في شأن البلاد ومرّت بإعمال الحكمة. قالت ذلك لجندها كأنّها تحذّرهم عاقبة معالجة سيئة لكتاب سليمان الذي خلعت عليه صفة الكرامة. كلّ ذلك كان منها وهي مشركة تسجد مع قومها للشّمس. كأنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا وهبه عقلا حصيفا. قالت لهم (إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون). إذا كان سليمان صاحب هذا الكتاب الكريم ملكا وليس نبيّا كما يزعم فهو داخل علينا قريتنا (سبأ) ومفسدها.

ومن أكبر علامات الإفساد جعل الأعزّة أذلّة. لؤلؤة أخرى: أفسد الإفساد إذلال النّاس بعد أن كانوا أعزّة. كذلك كان تاريخ كلّ الملوك الذين لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر. ليس هناك من شيء يضمن عدم الإفساد ويؤمّن كرامات النّاس وحرماتهم عدا الإيمان بالمحكمة التّعقيبية العليا الأخيرة ليوم القيامة. من خشيها أصلح. ومن كفر بها أفسد. حظّنا من هذا القانون هو تأمين البلاد بقيمة العدل ومنه مشاورة النّاس بصفة عامّة وأهل الحلّ والعقد كما سمّوا في القديم بصفة خاصّة إذ هم من يخوض الحرب أو السّلم. والنّاس لهم تبع. ومن حظّنا منه كذلك توقّي الفساد والإفساد ما استطعنا وتوريث ذلك للنّاشئة قيما وأسبابا وقوى وحديدا. من حظّنا كذلك استئمان رجال على دولتنا أو نساء أكفاء أقوياء أمناء يرعون مصلحة البلاد ومصلحة العباد وفي الآن ذاته أذكياء كمثل ذكاء بلقيس التي اختبرت سليمان عليه السّلام بهدية ظلّت ناظرة صداها. من حظّنا كذلك أنّ أمّ الإفساد هو العدوان على الأحرار والحرائر لتحويلهم من بعد عزّتهم أذلّة. الإذلال هو الإفساد. والحرية هي العزّة. من حظّنا كذلك أنّ الإسلام الذي ندعو إليه ليس صدفة عمياء. إنّما هو مراكمة لوجبات عقلية. كما وقع مع هذه المرأة العظيمة بلقيس: حكمة مع جندها وحكمة مع سليمان ثمّ آل المآل إلى إسلامها مع سليمان. أسلمت إسلام العقلاء الحصفاء الرّشداء. وليس إسلام التّبع الإمّعات. قالت : مع سليمان. وليس خلفه ولا وراءه ولا بسببه ولا في إثره ولا بفضله. كأنّما أسلما في طرفة عين واحدة.

الإسلام لله سبحانه يستوي فيه كلّ النّاس مع كلّ النّاس. يختلفون في التّقوى والإحسان والمثابرة ولكنّهم في الإسلام يستوون. كلّهم مسلم. والمسلم له واحد أحد سبحانه. لم يجل بخاطرها ما يجول بخاطرنا نحن أنّها امرأة. آنّى لها أن تسوّي نفسها مع سليمان عليه السّلام وهو نبيّ رسول ملك كريم مسخّر له كلّ شيء.

بقلم الشيخ: الهادي بريك