path

التربية الوقائية في السياق الأوروبي

article title

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن مسيس حاجتنا في الغرب إلى التربية الوقائية، والتي تعني: العناية باتخاذ التدابير والإجراءات الوقائية التي تمنع وقوع الخطر أو الأزمة التربوية قبل أن تقع، وأن ذلك خير من حسن معالجتها والتعامل معها بعد وقوعها، وذكرنا طرفًا من الـتأصيل للمنهج الوقائي في التربية من القرآن الكريم والسنة المطهرة، واليوم نتابع حديثنا التنزيلي والتطبيقي للمنهج الوقائي في السياق الأوروبي وهذا طرف من أهم مجالاته:

التحصين العقدي للشباب في الغرب:

لقد تطورت أدوات وأساليب التشكيك في الدين والقطعيات والثوابت الدينية في عالمنا الرقمي الشبكي سريع التطور سهل التواصل ولم يتطور معه الدرس العقدي في معاهد ومؤسسات التعليم الشرعي، الأمر الذي جعل الشباب صيداً سهلا أمام هذه الأفكار التشكيكية في الدين وقطعياته، والواجب الأكبر على الأبوين والدعاة هو تحصين من لم يتأثر من الشباب بهذه الأفكار..

ومن أهم الوسائل لذلك:

البناء المبكر للإيمان: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد الفتيان وهم حزاورة أي في سن السادسة إلى العاشرة فيبني عندهم الإيمان قبل القرآن ثم يعلمهم القرآن فيزدادون به إيمان..

ومنها: ضرورة تجديد الدرس العقدي؛ فنحن ندرس العقيدة بالغرق في جدل ومناقشات كلامية وحديث عن فرق بادت وأسئلة ومناقشات انتهى زمنها فلا يتحصن بها الشباب من التشكيك ولا يزدادون بها إيمانا، ومنها: ضرورة تحصين الأبوين قبل الأبناء: فإذا لم يمتلك الأبوان أجوبة متماسكة على أسئلة البناء منذ الصغر ولم يتابعوا مصادر التلقي عندهم ستتعقد أمامهم مهمة الإصلاح الفكري وردِّهم إلى طريق الإيمان إذا شردوا، وهذا لن يتم إلا بدراسة وعناية الوالدين بالدراسة الشرعية ومحو الأمية الدينية لديهم..

ومنها: الموازنة بين العقل والقلب؛ فإنَّ بناء الإيمان لا يتم بنظريات عقلية مجردة وإنما بتحريك القلب ودوام الضراعة إلى الله كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يردد كثيرًا: "يا مقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينِك" الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه. بسند صحيح.

وقاية الأسرة من أسباب الشقاق والطلاق:

الأسرة هي أهم مؤسسة يُناط بها حفظ الدين والهوية في الغرب بعد ضعف المؤسسات الأخرى أو غيابها، وقد ارتفعت نسب الطلاق والشقاق شرقا وغربا على نحو غير مسبوق، إلى حد كاد أن يُزهِّد الجيل الجديد في الزواج وبناء الأسر، وقبل أن نبحث عن كيفية معالجة آثار الشقاق والطلاق على الزوجين والأولاد والمجتمع علينا أن نبحث عن كيفية الوقاية والتحصين للأسرة من أسبابهما؟

ومن الوسائل المعينة على ذلك: التأهيل المبكر قبل الزواج: النفسي والجنسي والمالي وضرورة أن يدرك الزوجان قبل الزواج أنهما مختلفان خلقة وطبعا وتكوينا فلا بد من الاستمتاع بهذا الاختلاف بدلا من اتخاذه مطية للتدابر والتعارك..

ومنها: التعاون والتغافر والتواد: الأُسر لا تُبنى على المعاندة والندية والاستعلاء والسيطرة كما يقع الآن وإنما على أن يتعاون كل من الزوجين مع الآخر ويتنازل له وأن يجسدا معاً هذه الآية قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]؛ فاللباس فيه معنى الستر والوقاية والأمان والتداخل حتى صارت قطعة من زوجها والعكس..

ومنها: الاحتساب والصبر: فلا تنجح أسرة إلا بالصبر وطلب الأجر من الله على كل تعب أو نصب أو مكابدة مع الأولاد أو أحد الزوجين مع الآخر.

تحصين الشباب في الغرب من الشبهات والشهوات:

وخير سبيل لتحصين الشباب من الشبهات الفكرية هو نصيحة ابن تيمية لتلميذه ابن القيم حين قال له: "لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة، فيتشرَّبها؛ فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمرُّ الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته؛ وإلا فإذا أَشربْتَ قلبك كل شبهة تمرُّ عليها صار مَقرًّا للشبهات". وقد عالجتُ حالةً لشابٍ أَلحدَ وترك الإسلام بعد أن كان داعية إليه وسبباً في اعتناق الآلاف الإسلام في أحد البلدان الأوروبية، والسبب أنه جعل قلبه مقراً للشبهات دون تكوين علمي وبناء روحي.

وأما التحصين ضد الشهوات: فببناء تيار روحي يواجه طوفان الشهوات العاتي؛ فكلما نبت الإيمان في القلب وارتفع منسوب الخشية لله عزوجل كلما كان قويا في مواجهة الشهوات؛ فيوسف عليه السلام قال معاذ الله واستعصم بالله من الوقوع فيما حرَّمَ بربانيته وهِمَّته قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 33-34]، والربانية هي العلاقة بين الصيام كبديل للزواج في تحقيق العفة وتجنب الفواحش في قوله صلى الله عليه وسلم: " يا مَعْشَرَ الشبابِ من استطاع منكم الباءةَ فلْيَتَزَوَّجْ فإنه أَغَضُّ للبصرِ وأَحْصَنُ للفرجِ ومن لم يستطعْ فعليه بالصومِ فإنه له وِجاءٌ" متفق عليه. ولابد أيضا من تعجيل الإحصان بالتيسير المنضبط لتزويج الشباب والتعامل بواقعية وعملية مع الفتن.

 

وقاية المكوِّن المسلم في الغرب من الفتن والأزمات:

المؤسسات الإسلامية في الغرب تواجه تحديات كبرى في مسارات مختلفة وهذه التحديات في تزايد مستمر، ولا بد لهذه المراكز والمؤسسات أن تبحث في كيفية الحفاظ على مكتسباتها وتجنب المخاطر التي يمكن أن تهدد وجودها ولا تنتظر أن تقع الواقعة ثم تفكر ماذا تفعل!

فعليها أن تفيد من جيل الشباب وأن تُظهر وجودهم في المؤسسات وأن تُردم الفجوة بين الجيل الأول والأجيال التي تليه، ثم تطلق المبادرات المجتمعية التي تتحصن فيها بالمجتمع ومؤسساته، ثم لا بد من الاتحاد والتكتل ونبذ الفرقة وكل ما يكدر وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم وأن نُسدِّد ونقارب في هذا الباب، ثم لا بد من الوعي والمشاركة السياسية الفاعلة، والاستمرار في تطوير عمل المؤسسات لتكون جاذبة للناس خاصة الشباب، وأن تبحث سبل تأمينها من مخاطر التوقف بسبب قصور الدعم والتمويل. 

اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعزتك أن نغتال من تحتنا، اللهم فرج الكرب عن أهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين والسودان واليمن وكل مكان يا رب العالمين، اشف مرضانا وارحم موتانا، والحمد لله رب العالمين.

خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 1 مايو 2026م

الشيخ الدكتور خالد حنفي

د. خالد حنفي د. خالد حنفي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

التربية الوقائية في الإسلام | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

ضرورة الترابط الاجتماعي للمسلمين في الغرب | خطبة الجمعة

feather د. خالد حنفي

اقرأ أيضا للإمام

article title

التربية الوقائية في الإسلام | خطبة الجمعة

article title

ضرورة الترابط الاجتماعي للمسلمين في الغرب | خطبة الجمعة

article title

العالم بين حضارتين | خطبة الجمعة

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

التربية الوقائية في الإسلام | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

ضرورة الترابط الاجتماعي للمسلمين في الغرب | خطبة الجمعة

د. خالد حنفي

العالم بين حضارتين | خطبة الجمعة