ضرورة الترابط الاجتماعي للمسلمين في الغرب | خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد، فإنَّ عيش المسلم في منظومة الحياة الغربية يُضعف روابطه وصلاته الاجتماعية؛ لطبيعة نظام الحياة ونمطها الفكري والاجتماعي من جهة، ولأنَّ المسلم إما أنه مهاجر اغترب عن عائلته وأسرته في موطنه الأصلي فضعف تواصله بهم شيئا فشيئا ثم ازداد الضعف بتتابع الأجيال، أو أننا نتحدث عن الجيل الجديد وتأثره الأكبر بنظام المجتمع الاجتماعي والقانوني فروابطه الاجتماعية أشد ضعفا بقرابته ومحطيه الاجتماعي، وقد نتج عن هذا كله تكرار مأساة أن يموت المسلم وحيداً في بيته حتى تخرج رائحة جثته فيتصل جيرانه بالشرطة لكسر الباب وإخراج جثمانه إلى المشفى، ولا أُحصي عدد المرات التي استُفتيت فيها عن كيفية تغسيل ميت تهرى جسده بعد أن مات وحيداً لم يسمع به أحد إلا بعد أيام أو أسابيع من موته!! وكم من مسلم أُحرقت جثته في أوروبا بعد أن مات وحيداً ولم يتعرف عليه أحد، وكم من مفكر مسلم في الغرب أُحرقت جثته أو دُفن في مقابر غير المسلمين لعدم وجود وصية قانونية بدفنه دفناً شرعيا؟!!
والواجب على المسلم في الغرب أن يقوي روابطه وصلاته الاجتماعية وأن يُربي أولاده على اختيار العيش في بيئة ومجتمع مسلم مصغر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً والواجب كذلك على المسلمين والمساجد أن تُوجد من الوسائل والآليات ما تمنع به وقوع مثل تلك الحوادث المؤلمة من دفنٍ لمسلم في مقابر غير المسلمين، أو حرقٍ لمسلم لغياب من يتابع أمره، أو موتٍ لمسلم وحيدا في مسكنه وكان يمكن إنقاذه من أزمته المفاجأة لو سمع به أحد، وإظهار الجانب الاجتماعي في الإسلام بصورة عملية من أهم الطرائق العملية للتعريف بالإسلام في مجتمع يعاني من الجوع الاجتماعي، وكم كان السؤال والتواصل الاجتماعي والإحسان إلى الجيران سببا في اعتناق الأوروبيين للإسلام أو تغيير نظرتهم عنه وأحيانا تُقدم الجارة غير المسلمة جارها المسلم على أولادها في الإحسان والبر؛ لأنه سبقها بالبر والإحسان إليها قبل أولادها وأكثر منهم.
ويجب أن أشير إلى أن الخير في أمة الإسلام لا ينقطع وأن المسلمين في الغرب لم يتأخروا عن القيام بواجبهم نحو من يبلغهم خبر موته وحيدا غريبا وقد بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " مَن غَسَّل مَيِّتًا فكَتَم عليه غُفِر له أربَعين كبيرة وفي رواية مرة، ومَن كَفَّن مَيِّتًا كَساه اللهُ منَ السُّندُسِ، وإستَبرَقِ الجَنَّةِ، ومَن حَفَر لمَيِّتٍ قَبرًا فأجَنَّه فيه أُجرِيَ له منَ الأجرِ كأجرِ مَسكَنٍ أُسكِنَه إلى يَومِ القِيامةِ" الحاكم بسند صحيح، وهذه جملة من أهم الخطوات والوسائل المعينة على ترسيخ وتقوية الروابط الاجتماعية ومنع إيذاء أي مسلم بعد موته:
1- صلاة الجماعة وملازمة المسجد: من أهم وسائل ترسيخ الروابط والصلات الاجتماعية في الغرب صلاة الجماعة في المسجد؛ لما لها من فضل وأجر تعبدي ولكن لها مقصد اجتماعي أيضا وهو تواصل المسلمين وتعارفهم وتفقد بعضهم حال الغياب، والواجب أن تكون المساجد مكاناً لتعارف المسلمين وتآخيهم وليست مجرد مكان لأداء الصلاة، وعلى كل مسلم في الغرب أن يحرص على حد أدنى من صلاة الجماعة في اليوم والأسبوع، ويجب على المساجد في الغرب أن تستحدث من الوسائل والأنشطة ما يجعلها جاذبة للناس محققة لترابطهم وتماسكهم وأن تخصص صندوقا لدعم وإغاثة الحالات الطارئة لمن يحتاج إلى دفنٍ في مقابر المسلمين وأن تخصص الأوقاف لذلك، ويجب أن نعلم أن صلاة الجماعة المطلوبة ليست فقط في المساجد وإنما على كل مجموعة صغيرة من المسلمين أن يقيموا الجماعة في بيت أحدهم قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم:" ما من ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بدوٍ لا تقامُ فيهمُ الصَّلاةُ إلَّا قدِ استحوذَ عليْهمُ الشَّيطانُ. فعليْكَ بالجماعةِ فإنَّما يأْكلُ الذِّئبُ القاصيةَ" أبو داوود والنسائي وأحمد بسند صحيح.
2- إحياءُ سنة تفقد الغائبين: كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتفقد الغائبين عنه في المسجد أو المجتمع رغم واجباته وأعماله الكثيرة، وهذا كثير جداً في السنة النبوية ومن أمثلته، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا: مَاتَت، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. "متفق عليه، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ، فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ، مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ
حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ: فَرَجَعَ المَرَّةَ الآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ" متفق عليه. وأَذكرُ أني تحدثتُ إلى وفد من الألمان الذين جاءوا لزيارة المسجد في يوم الباب المفتوح تحدثت إليهم عن البعد الاجتماعي لصلاة الجماعي عندما استثقلوا التردد على المسجد 5 مرات في اليوم على ما فيه من جهد ومشقة فقلت لهم: انظروا إلى هذا الرجل المسن في آخر المسجد ماتت زوجته ولم ينجب أولادا، كلُّ من في المسجد أولاده يقضون حاجته ولو غاب فريضة ذهب أحد الشباب إليه يسأل عنه ويعاونه إن كان في حاجة للمعاونة، ثم انظروا إلى هؤلاء الذين يتحدثون في آخر المسجد كل واحد منهم من بلد وجنسية لم يتعارفوا إلا في المسجد فصاروا إخوة فيه وأكثر من عائلة، يشتاقون للصلاة تحصيلا للأجر والعبادة وشوقا للقاء بعضهم وتبادل الأخبار والحديث، فرأيتهم والله يبكون على حالهم، وقالت إحداهن وكانت عجوزاً مسنة: أنا أدفع المال لأصل إلى هذا الحال وأجدُ من يسأل عني ويتفقد غيبتي وحاجتي!!
3- التآخي والتقارب من مجتمع المسلمين: كان من أوائل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته للمدينة هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكان نموذج أهل الصفة في شمالي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مكان يأوي إليه من لا أهل له من المؤمنين ولم يكن يقيم بها ناس معينون بل يذهب قوم ويجيء آخرون، وهذا النموذج من التآخي والتكافل هو ما نحتاج إليه في الغرب إنشاء الروابط والمناشط الاجتماعية التي تدعم الإخوة الإسلامية وتعين الناس في غربتهم على التلاحم وتجاوز التحديات والعقبات ومساعدة أصحاب الحاجات.
4- توطيد العلاقات الاجتماعية مع الجيران: أَولى الإسلام الجار والإحسان إليه عناية كبرى ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " ما زال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنه سيورِّثُه" البخاري. فمن كثرة ما أوصى سيدنا جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجار ظن أنه سيمنحه حقاً في الميراث بحيث يكون الجوار أحد أسباب الإرث، وكلُّ النصوص القرآنية والنبوية التي وردت توصي بالجار جاءت عامة لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، فنحتاج أن نوثق علاقتنا بجيراننا مسلمين كانوا أو غير مسلمين وأن نتفقدهم إذا غابوا ونعودهم إذا مرضوا، ومتى ضعفت رابطة من الروابط الاجتماعية حلت محلها الرابطة الأخرى.
5- الوصية القانونية الموثقة: حتى يتجنب المسلم في الغرب تعريض جثته للحرق أو الدفن في مقابر غير المسلمين كما وقع لبعض المسلمين أو المفكرين المهتدين للإسلام يجب أن يسارع كل مسلم إلى كتابة وصية قانونية وتوثيقها عند كاتب العدل حتى يتجنب بها الوقوع في هذه المخالفات الشرعية عند موته.
اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وكن لأهلنا وإخواننا في غزة وفلسطين وكل مكان، وفرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 17 إبريل 2026م
د. خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- يوم الجمعة
- خطبة
د. خالد حنفي