الفتورُ المَرَضِي | خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد،
فقد شُغل العلماء منذ عقود بمحاولة فهم وتحليل ظاهرة الفتور المرضي والانقطاع العجيب الواقع من المسلمين عن العبادة بعد شهر رمضان من كل عام، ما سببه، وكيف نعالجه؟ ثم أُعقب هذا السؤال بسؤال آخر وهو: لماذا هذا الفصام النكد بين العبادة والأخلاق والسلوك فنجد الصائم العابد الكذوب الخائن الناقض للعهد الآكل لأموال الناس بالباطل؟ والفتور بعد رمضان أو وجود أزمنة فتور عن الطاعة والعبادة أمر طبيعي وارد الوقوع يدل عليه حديث سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ لِكُلِّ عملٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فترةٌ، فمنْ كان فترتُهُ إلى سنتي فقدِ اهتدى، ومَنْ كانَتْ إِلى غيرِ ذَلِكَ فقدْ هَلَكَ" أحمد وابن حبان والطبراني بسند صحيح. أي: لكل عمل فترة نشاط وحماس وحرص في أوله يعقبها ضعف وخمول وسكون في آخره، فمن كانت فترة خموله وضعفه إلى سنته وهديه صلى الله عليه وسلم بالاقتصاد والتوسط مع المداومة والإخلاص فقد اهتدى وإلا فهو من الهالكين.
فالفتور طبيعي ولكن غير الطبيعي هو الفتور المرضي ومعناه الهبوط من نشاط وهمة في العبادة تصل إلى الدرجة 100 إلى الدرجة صفر أو الدرجة سالب 50 مثلًا بالمعاصي والذنوب بعد رمضان، هذا هو المرض الذي يحتاج إلى بحث وعلاج، وفي تقديري أن الدعاة إلى الله بحرصهم على هداية الناس بالغوا في تشخيص الداء وتقديم الدواء فمطالبة الناس أن يكونوا في العبادة طوال العام كما كانوا في رمضان أمرٌ غير ممكن وغير مقدور عليه عمليًا خاصة في عصرنا، ورمضان له خصوصيات ظاهرة تجعل الناس ينشطون فيه للعبادة أكثر من غيره، كما أن تنشيط الناس للعبادة في رمضان وقع فيه خلل منهجي؛ إذ وقع التركيز على عبادات الجوارح مع إهمال عبادات القلوب وانتفاع القلوب بعبادات الجوارح، فنشأت ظاهرة التعامل الرقمي والعددي مع العبادات في رمضان بما يترتب عليها من إشكاليات سلوكية وروحية، وحلُّ هذه الإشكالية فيه جواب على السؤالين أعلاه. وهذه أهم الخطوات المعينة على تجنب الفتور المرضي بعد رمضان:
1. استمرار العناية بإصلاح القلب وإخراجه من قسوته وغفلته: تزكية النفس وإصلاح القلب هو مقصود كل عبادات الجوارح، فالصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]، والزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، والصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، والحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28]، ومن أراد الاستمرار على العبادة بعد رمضان والانتقال من مجرد الأداء الروتيني إلى التلذذ بالعبادة والفرح بالإقبال عليها فليصلح قلبه، وليراجع بصورة دائمة انتفاع قلبه بعبادات الجوارح ليتحقق مقصودها ومراد الشارع منها، وأفضل وسائل إصلاح القلب وترقيقه وإذابة قسوته: المداومة على ذكر الله عزو وجل، وتحري الحلال في المأكل والمشرب، والتوبة الصادقة عقب كل صغيرة، وكفالة اليتيم والمسكين، فإنَّ قسوة القلب ومرضه هو الداء العضال المنتج لكل داء ولا شفاء من الانقطاع عن العبادات بعد رمضان إلا بإصلاح القلب.
2. التركيز على الصلاة والقرآن: أهم ما يجب التركيز عليه والانطلاق منه إلى غيره بعد رمضان هو الصلاة والقرآن، بالانتظام في أداء الصلاة في وقتها والبحث عن أسباب تحصيل الخشوع فيها، ومحاولة عدم الاكتفاء بالفرائض فقط ومجاهدة النفس في أداء السنن القبلية والبعدية وتثبيت حد أدنى من صلاة الجماعة في الأسبوع، وتعظيم شعيرة الجمعة وعدم التهاون في تركها لأنَّ أثره السلبي مباشر على القلب قسوةً وغفلةً، وكذلك التركيز على الورد اليومي المنتظم من القرآن الكريم ولو صفحة واحدة في اليوم، فأحذر أن يمر يوم في حياتك دون تلاوة للقرآن مهما قلَّ وردك منه، والقرآن الكريم ربط في قرابة العشرة مواضع بين القرآن والصلاة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: 29]، والقرآن والصلاة هما أظهر العبادات المرتبطة بشهر رمضان فالتقصير فيهما بعده ينتج بالضرورة التقصير في غيرهما.
3. التثبيتُ والتقليلُ والمداومة: من أهم المعينات على الاستمرار في العبادة بعد رمضان أن تثبت وقتا معلوما لأورادك اليومية من القرآن والذكر والدعاء كبعد صلاة الفجر مثلا، أو عقيب كل صلاة تذكر ربك 10 دقائق، أو تقرأ صفحة من كتاب الله عزوجل، وأن تقلِّل المقدار وتراعي الحال خاصة في مخاطبة أولادك بهذه الواجبات العبادية، وأن تداوم ولا تنقطع فقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان ديمة، والعرب يستعلمون هذا المصطلح في المطر المستمر مع سكون بلا رعد ولا برق، فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما غير منقطع وإن قلَّ.
4. تصحيح مفهوم التدين: من صور التدين المغلوط تركيز كثير من المسلمين على العبادة في رمضان وتحري ليلة القدر في العشر الأواخر ثم الغفلة بعدها على اعتبار أنَّ من أدرك ليلة القدر فكأنما عبد الله قرابة الثمانين سنة فلا حرج عليه أن يغفل بعدها وهذا الفهم يحتاج إلى تصويب وترشيد، وتصويبه أن العبادة في رمضان والرصيد الإيماني الذي كسبناه يجب أن نتبعه بحركة دائمة لخدمة الدين بقية العام بل العمر؛ وهذان حديثان يؤكدان المعنى؛ الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "موقِفٌ ساعةٍ في سبيل الله خيرٌ من قيام ليلة القدر عند الحجرِ الأسود". أخرجه ابن حبان، والبيهقي بسند صحيح..
والحديث الثاني: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ، لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ". أخرجه البيهقي، والحاكم، والنسائي، وصححه الألباني. وإنما فُضِّلت المرابطة والحراسة في الميادين المختلفة على تحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ لأنها عبادة متعدية النفع وفيها بذل جهد ودفع ثمن بخلاف العبادة الآمنة قاصرة النفع، وهذان الحديثان يؤكدان على أن العامل للإسلام لا بد أن يوطن نفسه وأن يكون مستعدا لدفع ثمن مواقفه في أي لحظة وأنه مأجور على ذلك أجرًا كبيرا يتجاوز أجر من أدرك ليلة القدر على التعيين في الحرم المكي الشريف، والرباط في ثغور الإسلام لا يقتصر على الرباط العسكري بحراسة الحدود وإنما حراسة كل ثغر يحفظ بيضة الأمة ووحدتها ودينها وعقيدتها.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وفرج الكرب عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، وكن لأهلنا وإخواننا في فلسطين وغزة وكل مكان، وأرفع عنا الحرب والغلاء والوباء وأمنا في أوطاننا وأحقن دماء المسلمين في كل مكان، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة بمسجد المهاجرين. بون. ألمانيا 27 مارس 2026م
الشيخ الدكتور خالد حنفي
- الكلمات الدلالية
- خطبة الجمعة
- خطب
- بعد رمضان
د. خالد حنفي