path

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة 6 - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ

article title

بعد طلب الهداية في الآية السابقة يمكن تفسير ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بوصفه آليةً قرآنيةً لضبط الهداية وإخراجها من نطاق التجربة الوجدانية الفردية إلى سُنّةٍ ربّانيةٍ مُؤطَّرةٍ ذات نموذج معياري مؤسَّس قابل للتمثُّل والقياس بقدر تحقُّقه التاريخي؛ فالهداية التي طُلبت ابتداءً في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ليست طريقًا لضميرٍ منفرد، بل الصورة الجامعة لما ينبغي أن تكون عليه الحياة في إطارها الجمعي حيث تتساند الشرعيَّة مع النموذج المعياري، وتتضافر الدلالة مع التجرِبة، ومن هنا جاء القيد المرجعي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ليصل الطلب الكُلّي إلى سابقةٍ مُتحقّقةٍ تُراكِم خِبرةً معياريةً، وتمنح السالك ثقةً بالطريق، وتؤسِّس لوعيٍ يرى الهداية امتدادًا لمسارٍ مُجرَّبٍ لا مغامرةً معزولة.

ولأنَّ السَّعي إلى الهداية لا يستوي بلا بوصلةٍ تاريخيَّة، كانت القراءة الاستكشافيَّة لـ ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ ضرورة منهجيَّة وموضوعيَّة، وذلك عبر استدعاء تفصيلها الكامن في آية النساء، بما يكشف شبكة أدوارٍ تكاملية، عناصرها أربعة:

1. الأنبياء باعتبارهم قيادة معيارية ومصدر الشرعيَّة الأصليَّة.

2. والصديقون حرَّاس المعنى وشهود التمكين الاجتماعي.

3. والشهداء طاقة التعبئة والتضحية التي تحمي المسار وتفتح آفاقه.

4. والصالحون وهم المُنتج النهائي، والقاعدة الصلبة الأخلاقيَّة التي تحفظ الاتساق الذاتي للجماعة.

بهذا التقسيم الوظيفي تتجلَّى خريطة الأدوار التي تجعل من ﴿الصراط﴾ مشروعًا قابلاً لإعادة الإنتاج داخل الحقل الديني، لا حادثةً طارئة تنقضي بانقضاء أصحابها، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء ما يُعرف في السوسيولوجيا كما يعبر عنه ماكس فيبر في كتابه الاقتصاد والمجتمع بـ(تحوير الكاريزما) أو تقنينها عبر تحويلها إلى نمط مؤسسي مستقر لإعادة إنتاج القيادة في صورة مؤسسية مستقرّة، أو ما يمكن أن نصطلح عليه رَوتنة الكاريزما، بحيث تتحوّل فيها الهدايات النبوية مع الجيل الأول إلى قواعد ممارسةٍ مستقرة، وأعرافٍ ومعايير تُسنِد فعل الجماعة بقدر ما تُهذِّبه.

ومن هذا المنظور لا تكون الفاتحة افتتاحًا للنص وحسب، بل افتتاحًا لمنطق مؤسسي يعقلن الممارسة الدينية ويؤطرها ضمن نسقٍ قيميٍّ قابلٍ للنقل عبر الأجيال.

وبعد فإنَّ لحظة تحديد ﴿الصِّرَاطِ﴾ تُمثِّل ذروة التأسيس للفاعل الجمعي في سياق الأمة، وفي وعيها التعبُّدي: لا يكفي أن تنطق الجماعة بضمير (نحن)، بل لا بدَّ أن تُعرِّف نفسها بمعيارٍ جامعٍ يُحدِّد هُويَّتَها ومسارَها، ومن هنا جاء الإطناب المقصود في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في موضعٍ يبدو ظاهره قابلاً للاختصار؛ إذ من حيث الدلالة العقلية الصراطُ المستقيم هو عين صراط المنعَم عليهم، غير أنَّ الإطناب هنا يتجاوز وظيفة التوكيد النحوي إلى وظيفة التحديد المعياري؛ فلا يكتفي بتعيين الطريق في ذاته، بل يربطه بنموذجٍ تاريخيٍّ مُتحقّق، مُظهِرًا أن المقصود ليس تقرير تعدّد الصراط، بل تعدّد طرائق العبور عليه؛ فالصراط واحدٌ من حيث كونه منهجًا إلهيًا، لكن السالكين يختلفون في هيئة السير ودرجة التحقّق، ومِن ثَمَّ فإن قول المؤمن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ليس طلبًا لمعرفةٍ مجرَّدة، بل طلبٌ لهيئة السَّير كما سلكها المنعَم عليهم: ثباتًا، وسرعةَ استجابة، وخفَّةَ حملٍ من أوزار التقصير؛ وبهذا يتحوَّل الصراط من مفهومٍ نظري إلى معيارٍ جماعي مكتسب عبر الاقتداء، وتغدو الهداية مسارًا محكومًا بالمرجعية ومسنودًا بالمؤسسة، لا تجربةً فرديةً عابرة.

د. منجد أبو بكر، كلية الشريعة - جامعة قطر.

د. منجد أبو بكر د. منجد أبو بكر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [5] - اهدنا الصراط المستقيم

feather د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَ

feather د. منجد أبو بكر

اقرأ أيضا للإمام

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [5] - اهدنا الصراط المستقيم

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَ

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

banner title

مقالات مرتبطة

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [5] - اهدنا الصراط المستقيم

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَ

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين