path

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [5] - اهدنا الصراط المستقيم

article title

في ضوء ما تأسَّس من معاني الربوبية، والرحمة، والملك، ثم توقيع عقد العبودية والاستعانة في قوله تعالى: ﴿إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين﴾، يبلغ الخطاب في الفاتحة مرحلة الانتقال من إعلان الالتزام إلى طلب التمكين من الوفاء به؛ إذ لم تعد العبودية مجرد إقرارٍ نظري، بل صارت عقدًا وجوديًّا يستدعي مباشرة مقتضياته في الواقع، ومن هنا يأتي قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ بوصفه أول استجابة عملية من العبد لهذا العقد، وأول تعبير واعٍ عن تحمُّل مسؤولية الاستخلاف؛ فالعبد وقد أعلن عبوديَّته واستعانته، يستشعر ثقل الأمانة وجسامة الوظيفة، فيبادر بطلب الهداية التي تعصمه من التيه، وتختصر عليه تطويل المسير، وتجنيب القافلة معاناة الانحراف وتكاليف التصحيح.

إن هذا الطلب لا يصدر عن حيرةٍ أو جهلٍ بالوجهة، بل عن بصيرةٍ تدرك أنَّ مجرَّد معرفة الغاية لا يكفي لضمان بلوغها، وأنَّ القدرة على الفعل لا تستغني عن دوام التسديد. فالهداية هنا ليست انتقالًا من الضلال إلى الإيمان كما يمكن أن يفهم لو قال (أرشدنا)، بل هي طلب الاستقامة الدائمة في مسار العمل، بحيث يظل الفعل منضبطًا بالمرجعيَّة التي تأسَّس عليها الوعي منذ مطلع السورة، ولهذا جاء الدعاء بصيغة المضارع: ﴿اهدنا﴾، ليكشف أن الهداية ليست لحظةً تُنال مرة واحدة، بل حالةٌ متجددة تلازم الإنسان في كل خطوة من خطوات الاستخلاف.

ثم تنتقل الآيات إلى سؤال الكشف والاستبصار، لتتعرف الذات المؤمنة إلى مسارها الأكثر استقامة من خلال طلبٍ موجَّه نحو نموذجٍ متعالٍ على الأهواء: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾. فالهداية هنا لا تُطلب باعتبارها تجربة وجدانية فردية، بل بوصفها نموذجًا معياريًا مؤسسيًا مؤطَّرًا بالمرجعية، قابلًا للتمثّل والقياس بقدر تحقّقه التاريخي؛ إذ إن ﴿الصراط المستقيم﴾ ليس طريقًا خاصًا بضميرٍ منفرد، بل هو الصورة الجامعة لما ينبغي أن تكون عليه الحياة في إطارها الجمعي، حيث تتساند الشرعنة مع التضامن المعياري، وتتعاضد الدلالة مع التجربة، ومن هنا تأتي الإحالة المرجعية في قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، إذ لا يكتفي الخطاب بتحديد الوجهة، بل يربطها بسابقةٍ تاريخيةٍ تجسّد فيها هذا المسار، بما يراكم خبرةً معيارية، ويمنح السالك ثقةً في الطريق، ويؤسس لوعيٍ يرى الهداية امتدادًا لمسارٍ مجرَّب، لا مغامرةً معزولة.

وعند هذه اللحظة، يتجلَّى عمق التفاعل بين إرادة العبد واستجابة ربه؛ فهذا العبد القائم بأمر الله، حين صدق في إرادة الهداية، لم يبق طلبه مجرد رغبةٍ معلّقة، بل تجاوبت معه الأقدار، (فإن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه) (متفق عليه). فحين استقام القصد، وخلصت العبودية، وتحققت الاستعانة، وافقت إرادة العبد مراد الله له، فأرادت الأقدار ما أراد، لا استقلالًا منه، بل توفيقًا له ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. وهنا تتجلى الاستجابة الإلهية عن قريب، لا في صورة إلهامٍ مجرد، أو توفيق جزئي، بل في كتاب موضوعيٍّ خالد، جوابًا عمليًا للسائلين، ودليلًا دائمًا للسالكين: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾.

وبذلك لا تكون ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ مجرد دعاءٍ تعبدي، بل هي لحظة الدخول الفعلي في مسار الهداية، حيث يتحول الالتزام إلى طلبٍ واعٍ للتسديد، ويتحول الطلب إلى استجابةٍ ربانيةٍ بالبيان والتوجيه. وهكذا تكتمل دائرة الاستخلاف: إعلانٌ للعبودية، يعقبه طلبٌ للهداية، تتبعه استجابةٌ بالوحي، ليظل الإنسان متحركًا في الأرض مستنيرًا بالنور الذي طلبه، ومشدودًا إلى المرجعية التي أعلن الانتماء إليها، ومدركًا أن الهداية ليست نقطة وصول، بل مسارًا يُطلب ويُجدد في كلِّ لحظةٍ من لحظات السير إلى الله.

د. منجد أبو بكر، كلية الشريعة – جامعة قطر

د. منجد أبو بكر د. منجد أبو بكر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَ

feather د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

feather د. منجد أبو بكر

اقرأ أيضا للإمام

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَ

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

article title

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة (2) - الرحمن الرحيم

banner title

مقالات مرتبطة

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [4] – {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَ

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

د. منجد أبو بكر

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة (2) - الرحمن الرحيم