سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة [3] – مالك يوم الدين

في ضوء ما تأسس من ضبط المرجعية باستحضار الربوبية وحمدها، ثم استدعاء الرحمة بوصفها الإطار العملي لممارسة الاستخلاف، تأتي الآية الثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لتؤدي وظيفة حاسمة في ضبط الوعي الوجودي للإنسان عبر تكميل مُثلَّث الاستخلاف بضلع المسؤولية والمحاسبة، إذ تنقل الخطاب من بيان نمط الحكم الذي ينبغي أن يمارسه الإنسان إلى تثبيت المرجعية النهائية التي تحاسبه على كيفية ممارسته لهذا الحكم. فإذا كانت ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾ قد فتحت أمام الإنسان أفق الحركة الرحيمة في العالم، فإن ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ تغلق كل منافذ الوهم التي قد تدفعه إلى توهُّم الاستقلال أو الإفلات من المساءلة.
إن مادة (م ل ك) في بنيتها اللغوية تستوعب معاني السيطرة، والامتلاك، والقدرة على التصرف، لكنها في هذا الموضع لا تُستدعى لإثبات مجرد صفة من صفات الهيمنة، بل لتفكيك الوهم الكامن في نفس الإنسان بوصفه مستخلفًا؛ ذلك أن الاستخلاف، بما يمنحه من قدرة على الفعل والتدبير، قد يفتح ثغرة نفسية خفية يتسلل منها شعور الاستقلال أو الاستحقاق الذاتي. وهنا يأتي استحضار معنى المَلِك والمالك معًا ليعيد الإنسان إلى موقعه الحقيقي: فهو فاعل في العالم، لكنه ليس مالكًا للحكم النهائي على أفعاله مآلاتها، وهو متصرف في لحظة زمنية محدودة، لكنه ليس مَلكًا يصدر الحكم النهائي على هذه التصرفات. وبذلك يجتمع معنى الامتلاك ومعنى السلطان، ليغلقا معًا كل إمكان لتوهم وجود سلطة أخرى أو ملجأ آخر خارج هذه المرجعية المطلقة.
ولا يقف الامتداد الدلالي عند المتواتر، بل يتسع حتى في القراءات الشاذة ليكمل وظيفة إغلاق كل الثغرات التي تود النفس أن لو تتمرد من خلالها على المُستخلف وتنسرب إلى مربعات الشهوة الخفية المتعاندة مع العبودية؛ فالصفة المشبهة في قراءة (مليك) تدل على تمام القدرة واستقرارها، لا على قدرة حادثة أو عارضة، كما يُستغرق كل الزمان منذ الأبد بالفعل الماضي في قراءة (مَلَكَ يومَ الدين) وسرمدًا باسم الفاعل في قراءة (مالِكًا يومَ الدين) بعمله في المفعول المُحمل بالمعاني الممتدة لأبعد نقطة في الزمان حيث لا زمان. وبذلك يُستدعى معنى الملك لا بوصفه حدثًا طارئًا، بل بوصفه حقيقة مطلقة تحيط بالوجود كله، وتؤطر حركة الإنسان داخله.
وهنا يتولد في نفس المؤمن شعور العبودية في أكمل صوره؛ لأنه يدرك أنه يتحرك في فضاء الاستخلاف ضمن مدة محدودة، وتحت نظر مرجعية مطلقة ستستعيد إليه كل ما باشره من أفعال، وتعيد تقييمه على ضوء معيار الحق. ومن اللافت أن القرآن يصف مرحلة الآخرة كلها بوصفها (يوم)، رغم كونها الأبد الممتد، في إشارة دلالية عميقة إلى قصر مرحلة الاستخلاف الدنيوي، وكأن حياة الإنسان بكل امتدادها ليست سوى لحظة عابرة في ميزان الحقيقة النهائية. وهذا التصوير يعيد ترتيب وعي الإنسان بالزمن، فيدرك أن مدة التصرف التي مُنحت له قصيرة، وأن الامتداد الحقيقي إنما هو لما بعد انقضاء هذه اللحظة.
وبهذا المعنى، تمثل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الإعلان الأول للعبودية، لكنها إعلان ضمني يقوم على استحضار المساءلة، في مقابل الإعلان الصريح الذي سيأتي لاحقًا في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. فالأول يغلق منافذ التمرد الكامن، والثاني يصرح بالالتزام الواعي. الأول يؤسس الخشية، والثاني يؤسس الطاعة. الأول يعيد النفس إلى حدودها، والثاني يحدد وظيفتها.
ومن هنا، فإن استحضار ملكية الله ليوم الدين ليس مجرد تقرير عقدي، بل هو ضرورة بنيوية لحفظ توازن الاستخلاف؛ لأنه يمنع تحول السلطة الممنوحة للإنسان إلى وهم السيادة، ويعيد ربطها بمصدرها الحقيقي. فالإنسان يُستخلف ليعمل، لكنه يُحاسب ليُقيم الدليل على أهليته، وهو يتحرك بحرية نسبية، لكنه يعود في النهاية إلى مرجعية مطلقة. وهذا التوازن بين التمكين والمساءلة هو الذي يحفظ الاستخلاف من الانحراف، ويجعل الرحمة التي تأسس بها الحكم في الآية السابقة محكومة بإطار المسؤولية، وليست متروكة لمحض التقدير البشري، ولا فيها منةٌ من الخليفة على أحد من العالمين.
وعند هذه النقطة، وقد استحضر الإنسان ربوبية الله، وتمثل رحمته، وأدرك ملكه المطلق ومساءلته النهائية، يبلغ وعيه ذروة النضج؛ فلم يعد إعلان العبودية خيارًا تعبديًا مجردًا، بل ضرورة وجودية، فينطق بإقراره الصريح: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ ثم يخبت ويتذلل سائلا ربه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، عن إدراك عميق لموقعه، وحدود سلطته، ومآل وجوده، وسؤال الخاتمة.
د. منجد أبو بكر، كلية الشريعة - جامعة قطر.
د. منجد أبو بكر