path

سؤال الاستخلاف في سورة الفاتحة: قراءة في التعريف والوظيفة

article title

تُمثِّل فاتحة الكتاب لحظة الإعلان التأسيسي لوظيفة الإنسان الوجوديَّة في التصوُّر القرآني؛ إذ يبدأ الإنسان خطابه بإقرار ربوبيَّة الله للعالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وهذا الإقرار ليس مجرَّد تعبير تعبُّدي أو افتتاح شعائري للصلاة؛ بل هو فعل وعيٍ يُؤسِّس لرؤية الإنسان لذاته ولموقعه في الكون؛ فهو يقرُّ أوَّلًا بأنَّ المرجعيَّة المطلقة لله، وبأنَّ تدبير العالم وهدايته صادران عنه وحده.

وبهذا الإقرار يتحدَّد موقع الإنسان داخل النظام الكوني، لا بوصفه مركزًا مستقلًّا للوجود، ولا مالكًا متصرِّفًا على جهة الاستقلال، بل بوصفه الكائن الذي خُصَّ بقدرة إدراك ربوبيَّة الله إدراكًا واعيًا، وإعلانها إعلانًا اختياريًّا، ثم ترجمة هذا الإدراك إلى التزامٍ عمليٍّ في المجال الإنساني والاجتماعي، بل والكوني؛ عبر توكيلٍ عامٍّ للإنسان ليقوم بالحمد نيابةً عن كلِّ العالمين.

ومن هنا تتأسَّس وظيفة الاستخلاف؛ فالاستخلاف في القرآن ليس تفويضًا مطلقًا يمنح الإنسان سلطةً ذاتيَّةً منفصلةً عن الإرادة الإلهيَّة؛ وإنَّما هو تمكينٌ مشروطُ بالعبوديَّة. فالإنسان لا يُستخلَف إلا بقدر ما يُحقِّق معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ولا يهتدي في ممارسة هذا الاستخلاف إلا عبر طلب العون والهداية: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

وعليه، فإنَّ إعلان الحمد في مطلع الفاتحة يمكن فهمه بوصفه المدخل النظري والأخلاقي لمفهوم الاستخلاف: فهو إقرارٌ بمرجعيَّة الربوبيَّة، وتحديدٌ لموقع الإنسان ضمنها، وتمهيدٌ لتحمُّل أمانة الهداية في الأرض على أساس العبوديَّة الواعية، والوكالة الأخلاقيَّة العامَّة، لا على أساس الاستقلال أو السيادة المطلقة.

د. منجد أبو بكر د. منجد أبو بكر

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

مشاهد وعِبر من يوم القيامة «يوم يفر المرء من أخيه»!

feather إدارة الإعلام

وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا!

feather إدارة الإعلام

banner title

مقالات مرتبطة

إدارة الإعلام

مشاهد وعِبر من يوم القيامة «يوم يفر المرء من أخيه»!

إدارة الإعلام

وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا!

إدارة الإعلام

لا تتبعوا خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر!