path

خطبة | شهر له فلسفة

article title

أمَّا بعد: فإنَّ أيَّامًا طيبة توشك أن تفد إلينا، ربما كانت الجمعة المقبلة اليوم الأوَّل من رمضان.. إنَّ بشائر الموسم الكبير -موسم العبادة والتقوى- هبَّت علينا، تستروحها قلوبنا، وإن كان المرء يتساءل: ما أسرع ما عادت الأيام! ورجعت الذكريات!

وإذا ألقى الإنسان نظرةً خلفه إن كان قد بلغ العشرين أو الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين أو أكثر أو أقلَّ، فإنَّه يشعر أنَّ الأيام التي عاشها والليالي التي قضاها قد تداخل بعضها في بعض، وأصبحت كتلةً واحدةً منكمشةً مبهمة لا يدري بالضبط إلَّا أنَّها أصبحت ماضيًا تركه خلفه ولن يعود.

الإحساس بالزمن غريب؛ لأن الناس يوم يلقون ربهم سيشعرون بأنَّ الأعمار كلها قد أصبحت ماضيًا وانكمشت وتداخلت أجزاؤها بعضها في البعض الآخر، وأصبحت شيئًا قليلًا: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 112-114].

تكرَّر هذا المعنى في القرآن الكريم، فهو -جلَّ شأنه- يتحدَّث عن الساعة: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا} [طه: 102-104].

والواقع أنَّ الإنسان يبقى على ظهر الأرض مدَّةً طويلة؛ الطفل فيها يشِبُّ، والشابُّ فيها يشيخ، ومع ذلك، فالمرء ينظر إلى عمره الذي خلَّفه فلا يجد إلَّا أن هذا الماضي الطويل قد أصبح هذه الكتلة المنكمشة في زمن مبهَمٍ لا يدري أوله ولا آخره، ولكنَّ الإنسان الذي لا يدري ما كان، يجب أن يعلم أنَّ الله يسجِّل عليه كلَّ ما كان، {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29].

وقد مرَّت سنة؛ ففي مثل هذه الأيام كنَّا نتهيَّأ لاستقبال شهر رمضان المبارك، والآن نتهيَّأ لاستقبال آخرٍ حتى نلقى ربَّنا، فينبغي أن ننتفع من الزمن الذي هو رأس مالنا، الذي هو هبة القدر الأعلى لنا؛ إنَّه لا يجامل فيه، إنَّه إمَّا صديق وإمَّا عدو؛ صديقٌ إن انتفعت به، وعدوٌّ إن أهملته وأضعته.

ورمضان يجيء، ولا نتحدَّث عنه طويلًا؛ إنَّما نريد أن نتحدَّث عن فلسفة الإسلام في العلاقة بين الروح والجسد، لمناسبة صيام المسلمين في رمضان؛ فإنَّ هذا الصيام في حقيقته ترويضٌ للغرائز البشريَّة العاتية، فليس هناك أعتى من غريزة البطن التي تطلب الأكل باستمرار، وليس هناك أعتى من غريزة الجنس التي تريد أن تُنَفِّسَ عن تطلُّعها باستمرار.

والبشريَّة قد تُنْكَب نكبةً قاصمةً إذا هي لم تُحسن تحديد موقفها من كلا الأمرين، والمتأمِّل في سير القافلة الإنسانيَّة يجد أنَّ هناك فلسفتين استطاعتا أن تُسيطرا على جماهيرَ كثيفةٍ من الناس، فلسفة مادِّيَّة موغِلة في المادَّة، وفلسفة روحيَّة موغِلة في الروح.

فأمَّا الموغلون في الفكر المادِّيِّ من ملحدين، وشيوعيِّين، ووجوديِّين، ووثنيِّين؛ فإنَّهم يعيشون ليومهم الحاضر، ويُطلقون العنان لغرائزهم، فما تقف عند حد؛ إنَّهم يطلبون المتع. وطبيعة البشر أنَّهم إذا أحرزوا نصيبًا من الشهوة استهانوا بما أحرزوه وازدروه، وطلبوا شيئًا أكثر وأعلى.

ولذلك؛ فإنَّ الشهوات البشريَّة مسعورةٌ يسلم بعضها إلى بعض، ويتطلَّع مَن حاز قليلًا على كثير، ومَن حاز الكثير إلى أكثر، ومِن هنا فإنَّ القرآن الكريم قد هدَّد هؤلاء: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} [الحجر: 3].

وكما وصف نفسه على هذا النحو، أقسم كذلك على هذا النحو؛ أقسم بعظمة الكون وأبعاده. وعلماءُ الفلك لهم حديثٌ مذهلٌ عن السِّنين الضوئيَّة، وعمَّا بين الكواكب من مسافات، تسمع ربَّ العالمين وهو يقول: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ} [الواقعة: 75-79].

بمواقع النجوم أقسم، بالكون أقسم، ويتكرَّر القَسَم في مواضع أخرى من القرآن: {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * ومَا لا تُبْصِرُونَ * إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * ولا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ} [الحاقة: 38-42].

ويقول: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الجَوَارِ الكُنَّسِ * واللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ * والصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ * إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * ومَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 15-22]. في هذه الآيات يصف ربُّ العالمين الفترةَ قبل بزوغ الشمس وقبل مطلع الفجر، والكون في حالة ترقُّبٍ لليوم الجديد الذي يطلُّ على الناس ليفتتحوا معه صفحةً جديدة؛ إنَّه يُقسم بهذه الحالة لكي يلفت النظر إلى أنَّ من أراد الهُدى ففي القرآن هداه، ومن أراد الحقَّ ففي القرآن أمله، ومن أراد النصر والعزَّة ففي القرآن ما ينشده: {مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].

نحب أن نقول: إنَّ هذا الكتاب جاء إلى الناس بحياةٍ تذهب الموت الأدبي، الموت العقلي، الموت الحضاري؛ الأمم محتاجة إلى عصر إحياء، فمن الذي يُحييها؟ {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122].

ما مصدر هذا النور الذي نمشي به بين الناس؟ ما مصدر هذه الحياة التي أذهبت الموت الأدبيَّ والمادِّيَّ في الأمم؟ إنَّه القرآن؛ القرآن الذي جاء إلى أمَّةٍ على هامش الدُّنيا فما زال يرتفع بها حتى جعلها قمَّة الوجود. مَن الذي بوَّأها هذه المكانة؟ من الذي رفعها إلى هذا المستوى؟ إنَّه القرآن الكريم؛ ولذلك فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حضَّ على دراسته، وحضَّ على قراءته قراءة بحثٍ واستطلاعٍ وتفقُّهٍ وترتيل، لذلك كان القرآن في رمضان النور الذي تُضاء به الليالي وتبيض.

ومن أعجب ما قرأت في وصف ليالي الصالحين الذين يقرؤون القرآن والذين ينتفعون بوعده ووعيده، وأمره ونهيه، أبيات لشاعرٍ من الشعراء وصف من يقومون الليل فقال [1]:

تَتَجَافَى جُنُوبُهم *** عَن وَطِيءِ الـمَضَاجِعِ

كُلُّهُمْ بَيْنَ خَائفٍ *** مُسْتَجِيرٍ وطَامِعِ

ترَكُوا لَذَّةَ الكَرَى *** للعُيُونِ الهَواجِعِ

وَرَعَوْا أنجُمَ الدُّجَى *** طالعًا بَعْدَ طَالِعِ

لو تَرَاهُمْ إذا هُمُ *** خطَرُوا بالأصَابِعِ

وإذا هُم تأوَّهوا *** عِنْدَ مَرِّ القَوارِعِ

وإذا باشَرُوا الثَّرَى *** بالخُدُودِ الضَّوارعِ

واسْتَهَلَّتْ عُيُونُهم *** فائضَاتِ المـَدامِعِ

وَدَعَوْا: يا مَلِيكَنَا! *** يا جميلَ الصَّنَائِعِ

اُعْفُ عَنَّا ذُنُوبَنَا *** للوُجُوهِ الخَواشِعِ

اُعْفُ عَنَّا ذُنُوبَنَا *** لِلعُيُونِ الدَّوامِعِ

أنْتَ إنْ لم يَكُنْ لنَا *** شافعٌ خيرُ شَافِعِ

فأُجِيبُوا إِجَابَةً *** لم تَقَعْ في المسَامِعِ

ليسَ ما تصْنَعُونَهُ *** أوليائي بِضَائِعِ

تَاجِرُوني بِضَاعَتِي *** تربَحُوا في البَضَائِعِ

وابذُلُوا لي نُفُوسَكُم *** إنَّها فِي وَدَائِعِي

هذا قيام الليل في رمضان، بعد صيام، كما وصف نبيُّ الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، صيامٌ يرتفع به مستوى الصائم فيتحوَّل في المجتمع إلى عنصر رحمة، إلى عنصر سلام، إلى عنصر طمأنينة، وزكاة نفس، وشرف خلق، ونضارة سيرة: «وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ». [صحيح البخاري ترقيم فتح الباري (4/ 580)]. الرفث: الكلام العيب، الصخب: الكلام الذي لا معنى له ولا خير فيه، الذي هو ضجةٌ ليس لها عقل. إنِّي صائم: أي لا يكون الصائم سبَّابًا مع السبَّابين ولا شتَّامًا مع الشتَّامين.

هذا الشهر المقبل فيه فلسفة الإسلام في ربط الدنيا بالآخرة، فيه ربط الروح بالجسد، ربط الأرض بالسماء، ربط البشر بالوحي الإلهي، ربط الدنيا بالكتاب الذي أضاء لها الطريق، وحدَّد لها الغاية! شهرٌ ينبغي أن يعرف المسلمون فضله، وأن يستعدُّوا له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الأبيات للشاعر العباسي ابن الرومي (221هـ – 283هـ / 836م – 896م) وهو علي بن العباس بن جريج، أو (جورجيس)، المعروف بأبي الحسن ابن الرومي. شاعر عربي كبير، يُعد من فحول الشعراء، وكان في طبقته الأدبية قريبًا من بشار بن برد والمتنبي.

الإمام محمد الغزالي

أرشيف الكاتب

المقالات التالية:

حاجة البشرية للدين

feather د. خالد حنفي

خطبة جمعة | المسلمون في الغرب وحراسة القِيَم

feather إدارة الإعلام

banner title

مقالات مرتبطة

د. خالد حنفي

حاجة البشرية للدين

إدارة الإعلام

خطبة جمعة | المسلمون في الغرب وحراسة القِيَم

إدارة الإعلام

خطبة عيد الأضحى المبارك | عيد التضحية والفداء