Posted on Leave a comment

خلاصة ورشة عمل «خطب ومواعظ المناسبات بين التقليد والتجديد»

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رحمة الله للعالمين وبعد،

فقد نظمت هيئة العلماء والدعاة بألمانيا بالتعاون مع المجلس الأوروبي للأئمة ورشة عمل حول {خطب ومواعظ المناسبات الدينية بين التقليد والتجديد}، يوم 15 يوليو 2021م 5 ذو الحجة 1442 ه تناول فيها المحاضرون أهمية استثمار المناسبات الدينية وضرورة العناية بالتجديد في الطرح والأفكار المتصلة بها، ومن هذه المناسبات والمواسم: استقبال رمضان/ خطبة العيدين/ العشر الأوائل من ذي الحجة/ المولد النبوي الشريف/ الإسراء والمعراج/ تحويل القبلة.

وقد أكد المحاضرون والمشاركون جميعا الأهمية الكبرى في العناية بفقه المناسبات الدينية ودورها وأثرها في تكوين وبناء الهوية الإسلامية عند الأجيال الجديدة من أبناء مسلمي أوروبا.

خلاصة ورشة عمل “خطب ومواعظ المناسبات بين التقليد والتجديد”

المداخلة الأولى: الشيخ  كمال عمارة

خطبة الجمعة بين التجديد والتقليد

1- المقدمة

لخطبة الجمعة أهمية كبرى في حياة المسلم بوجه عام، وفي وظيفة الإمام بوجه خاص، لذلك بذل أئمة الخطابة ورُوّادها جهوداً كبيرة في تأصيل الخطابة وإقامة أسسها ومرتكزاتها. كما تعتبر خطبة الجمعة نقطة ارتكاز الخطاب الإسلامي ومصدر قوته، بل يمكن اعتبار صلاة الجمعة وخطبتها أهم شعيرة جماعية تربط الفرد والمجتمع بالله تعالى.

  2- خصائص خطبة الجمعة

– هي مؤتمر اسلامي جماعي ديني وسياسي أسبوعي

– وهي اجتماع الزامي

– محطة للتثقيف والاصلاح الاجتماعي

–  الخطبة الوحيدة التي تستلزم الاصغاء والانصات والإجلال

 3- مكانة صلاة الجمعة وأهميتها في أوروبا

يمكن القول أن الاجتماع الى صلاة الجمعة هو الاجتماع الأكبر والأهم في حياة المسلمين الأوروبيين وذلك لصعوبة الاجتماع في باقي الصلوات الخمس بسبب تباعد المساجد والالتزامات المهنية الصارمة، وهذا يؤكد ضرورة وأهمية ترشيد الخطبة والعناية بها .

والسؤال المهم في هذا الموضوع، هل تعاني خطبة الجمعة أزمة في سياقها الأوروبي؟

في تقديري الخاص فإن خطبة الجمعة لا تعاني أزمة إنما تواجه تحديات باعتبارها شعيرة إسلامية في غير بيئة مسلمة، ونقائص كثيرة يعاني منها القائمون عليها.

لذلك فإن سؤال الأصالة والمعاصرة -ولا أحبذ تسميته بالتقليد والتجديد- يكتسب مشروعية خاصة في هذا السياق، سواءً تعلق الأمر بالشكل (كاللباس الشرعي للإمام …) أو المضمون (كالاستشهاد والاستدلال…)، وهو ما يجب المحافظة والحرص عليه لاعتبارات شرعية وللحفاظ على خصوصية شعيرة الجمعة وحضورها القوي في النفوس ووقعها في القلوب.

إلا أن التحديات الأبرز تكمن في المعاصرة وأقصد بالمعاصرة مناسبة الخطبة للواقع وتطوراته، ومواكبتها لحاجة الناس وهمومهم. 

ولابد لتحقيق ذلك من عنصرين:

أولاً؛ اللغة: فلا بد من مخاطبة بلغة يفهمها ويتجاوب معها.

ثانياً؛ فهم الواقع ومعايشته ومعرفة حاجة الناس ورغباتهم وقضاياهم الأساسية.

المداخلة الثانية:

الشيخ وجيه سعد

  1. المقدمة

لا تقتصر خطبة الإمام على الجُمعة وإنما هناك ما يُسمى بالخطب المناسباتية (ربيع الأول، الإسراء والمعراج، العشر الأوائل والعشر الأواخر…)، وتناول هذه المواضيع أمر ضروري بالنسبة للجمهور المسلم في أوروبا، ولتناول هذه المواضيع أهمية فيما يلي:

  • أنه حاجة أساسية يطلبها المسلم ويستهجن عدم الوقوف عليها في حال مرت دون ذكر.
  • أنها تشكل حالة توثيق للحدث الذي تدور حوله، تضمن حفظها من الناس الاضمحلال خاصة لدى لأجيال القادمة، وهذا يستلزم على الإمام إعطاء أهمية أكبر لمثل هذا النوع من الخُطب.
  • أحد أهم الوسائل التي نحافظ بها على هويتنا ووجودنا في مجتمعاتنا الأوروبية.
  • مشكلة الخطابة وبعض الحلول

والمشكلة ليست في تكرار الحدث والوقوف عنده كل مرة وإنما في الأسلوب وطريقة الطرح، الذي ربما وفي كثير من الأحيان يؤدي إلى تسرب الملل إلى المستمعين، وحتى نتمكن من حل هذه المشكلة يمكن اللجوء إلى الوسائل التالية:

  • الإصغاء إلى الجمهور وإشراكهم في عملية طرح الأساليب والوسائل، حيث أن الخبرات الجماعية والتفكير بصوت عالٍ يضمن إيجاد الحل الأنسب والأقرب إلى الواقع المُعاش.
  • أن يكون هناك لقاءات بين الأئمة والفاعلين والمؤسسات الإسلامي.

المداخلة الثالثة

الدكتور خالد حنفي

  1. المقدمة
    إن مَهمة الإمام اليوم أصبحت من أعقد المهام وأصعبها، إذ إن الوصول إلى المعلومة أصبح أمراً في غاية اليسر والسهولة وهذا ما يمكن أن نسميه “ظاهرة الابتذال بالكثرة”، فالندرة وصعوبة الحصول على المعلومة تعطي الشيء أهمية أكبر، وربما كان الخطيب سابقاً يمتلك القليل من المعلومات غير الموثقة إلا أن خطبته كانت تجد إقبالاً واهتماماً أكبر مما هي عليه اليوم وذلك بسبب الندرة وصعوبة الحصول على المعلومات في الشأن الديني، وإلى ذلك يشير الإمام محمد الغزالي رحمه الله بقوله: “الداعية قديماً كان ينجح في رسالته بقليل من العلم وقليل من الإخلاص أما اليوم فيحتاج إلى كثير من العلم والإخلاص”. فماذا عساه يقول عن زماننا؟؟

ولأن الانسان بطبيعته سريع الملل، فقد كسرت الشريعة الإسلامية الرتابة في الأسبوع بيوم الجمعة وفي الأشهر بشهر رمضان، وفي الليالي بليلة القدر وهكذا، وتكرار الحديث في خطب المناسبات يصادم أصل كسر الرتابة وقطع الملل المراد للشرع والمتوافق مع طبيعة الإنسان.

والموضوع على أهميته إلا أن أسلوب تقديمه وطرحه قد يُدخل الرتابة والملل إلى نفس المستمع، لذا لا بد أن يضع الإمام نفسه مكان المستمع، وقد نتج عن طريقة الطرح والتكرار الممل أن فقدت المساجد الكثير من روادها، والحقيقة أن هناك أزمة تواجه الإمام في موضوع الخُطب وليس مجرد تحديات.

كما أن الشعور بسرعة مرور الزمن جعلنا نشعر بتقارب الأحداث، وهذا ما يجعل التذكير في المناسبات حاضراً في أذهان الناس، ما يُعجّل ويُسهل في تسرب الملل إلى النفوس، فالناس لا تكاد تنسى الموضوع والخطبة التي أُلقيت في نفس المناسبة من العام الماضي حتى تطل عليهم المناسبة نفسها من جديد، وهذا ما يؤكد أيضاً ضرورة التجديد في الخطاب.

وأشدد هنا على ضرورة اغتنام المناسبات الدينية في السياق الأوروبي لأنها ترسخ الهوية وتدعم حفظ الدين واللغة على الأجيال الجديدة.

أفكار للمناقشة في عملية تجديد خطب المناسبات وإخراجها من دائرة التقليد إلى التجديد

  • تجديد الروح والإخلاص عند الإمام بكثرة الدعاء ومعاهدة القلب، إذ إن عملية التجديد لا تقتصر على الجوانب الحسية إنما تبدأ من مدخل الروح، وكما قيل: “كن مخلصاً في السر تكن فصيحاً في العلن”، فصدق الإمام والداعية وإخلاصه وتضرعه إلى الله تعالى يجعل القديم جديداً والقليل كثيراً، والتجارب العملية أكثر من أن تُحصى، كقول الإمام الحسن البصري لأحد تلاميذه حين طلب منه أن يعظه فلم يتأثر التلميذ فقال له: “إما أن في قلبك شيء أو أن في قلبي شيء” فلم يقف عند شكل الموعظة ومضمونها وإنما على حال القلب.
  • تجديد نصوص المناسبات، باختيار أحاديث صحيحة جديدة غير المتداولة على ألسنة الناس في المناسبات.
  • توليد المعاني الجديدة من الحدث أو المناسبة وتسجيل ما قيل سابقا تجنبا للتكرار ويمكن الإشارة الإجمالية إليه والتفصيل في الجديد. 
  • تمديد المعانى، حتى ولو كان المعنى في ذاته مكرراً إلا أن تمديده من خلال تعديد الإسقاطات وتنوع الأمثلة يعطيه بُعداً وجانباً جديداً مختلفاً عما ألفه الناس، مثلا إذا أردنا الحديث عن عشر ذي الحجة فنتحدث في عام عن أولادنا في عشر … وعام عن زوجاتنا.. وعام عن غير المسلمين في عشر ذي الحجة وهكذا يكون التجديد بإفراد الحديث عن شريحة خاصة من الناس.
  • اختصار الحديث عن المكرر والتركيز على معنى جديد (كالتركيز على معنى تعظيم الله تعالى عن طريق التكبير في الأيام العشر من ذي الحجة …).
  • كثرة القراءة والاطلاع من شأنه أن يوحي بالأفكار الجديدة.
  • تغيير شرائح المخاطَبين في المناسبات.
  • الانشغال بأمر التجديد وتبادل الأفكار مع الأئمة.
  • التبكير في التحضير للموضوع وعدم التأخر إلى يوم الجمعة أو المحاضرة أو قبلها بقليل.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

رابط الورشة:

https://www.facebook.com/euimams/videos/401080394667295
Posted on Leave a comment

لماذا تفسد الفطرة.. وكيف نحميها؟

لقد أفسد شياطين الإنس والجن الفطرة في زماننا، ووظفوا علوماً وأموالاً وقدراتٍ ومهاراتٍ ودعاياتٍ عبثية لا حدود لها، حتى أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وأنَّ النقيضين يلتقيان ويجتمعان، وأن لا ثبات لشيء من القيم والأخلاق، وهذا لعمري من أعظم البلاء الذي يهدد البشرية.

إن عالمنا المعاصر يشبه السيارة المسرعة التي فقدت السيطرة على المقود، وإذا بها تهوي من فوق جبل إلى واد سحيق، أتعلمون السبب؟

لأنه قطع حباله مع السماء ولم يعد له مرجعٌ ولا سندٌ إلا ما أُشرِب من هواه.

نعم، إنه خطر الرَّان الذي يتعاظم حتى يُطبق على القلب فيرى الخير المحض شراً خالصاً، ويزين له الشيطان سلوكيات وأخلاقيات ومذاهب فاسدة على أنها خير للناس وما هى إلا الردى، ولخطورة الذنوب والمعاصي وأثرها على فساد الفكر والعقل والتصورات ورد الحديث الشريف الذي رواه حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال: “كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فقالَ: أيُّكُمْ سَمِعَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَذْكُرُ الفِتَنَ؟ فقالَ قوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْناهُ، فقالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ في أهْلِهِ وجارِهِ؟ قالوا: أجَلْ، قالَ: تِلكَ تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصِّيامُ والصَّدَقَةُ، ولَكِنْ أيُّكُمْ سَمِعَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَذْكُرُ الَّتي تَمُوجُ مَوْجَ البَحْرِ؟ قالَ حُذَيْفَةُ: فأسْكَتَ القَوْمُ، فَقُلتُ: أنا، قالَ: أنْتَ لِلَّهِ أبُوكَ. قالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: تُعْرَضُ الفِتَنُ علَى القُلُوبِ كالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأَيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حتَّى تَصِيرَ علَى قَلْبَيْنِ، علَى أبْيَضَ مِثْلِ الصَّفا فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، والآخَرُ أسْوَدُ مُرْبادًّا كالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلَّا ما أُشْرِبَ مِن هَواهُ . ” رواه مسلم.

وفتنة الرجل في أهله وجاره أي: ما يصيبه من قلق وهم، أو صغار الذنوب فتكفرها الصلاة والصيام والصدقة

تدبروا كلمة “كموج البحر”.  

فأنى لنا بالقلب الذي لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض إلا بالمجاهدة الطويلة والاحتراس من الذنوب أشد من احتراسنا من الفيروسات المُهلكة.

وحينما سئل حذيفة: ما أسْوَدُ مُرْبادٌّ؟ قالَ: شِدَّةُ البَياضِ في سَوادٍ، وسئل أيضا: فَما الكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قالَ: مَنْكُوسًا.

وكلمة “منكوسا”: شديدة التعبير عن حال عصرنا، حيث نعيش عصر انقلاب في المعايير والمفاهيم والرؤى والسلوك.

ود الشيطان لو يظفر من ابن آدم  بأدنى غفلة عن ربه وتقصير في جنبه، وإن له مع ابن آدم عداوة قديمة يوم أعلن أنه غايته إضلاله وغوايته بكل سبيل وطريق.
“قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)” الأعراف

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)” ص

وقد أمرنا الله تعالى أن نوحد عدواتنا تجاه العدو الأكبر للإنسانية كلها:

“إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)” فاطر  

وحذرنا من السقوط في شِراك خطواته واستدراجه والسقوط في فخاخه فقال تعالى:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)” النور

وليس أكبر غاية ينالها الشيطان من بني آدم إيقاعهم في الصغائر أو الكبائر، أو الكفر وجحود وجود الخالق جل وعلا، كلا، إنه لا يقنع من الإنسان بمستوى من الضلال والإضلال، والفساد والإفساد، والعبث والمجون، وهذا ما يفسر لنا دركات الشهوات التي يسقط فيها قوافل من الناس في عصرنا -والتي لا نهاية لقاعها- كأنهم سكارى، وما هم بسكارى.

غواية الشيطان

في قصة آدم وحواء وغواية إبليس عبرة وعظة، إنها كاشفة لمشاهد تكرر على مدى الزمان، وتعالوا معي نقف   مع  بعض دلالات هذه الآيات الشريفة :

“فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (120)” {طه}

 أنقل هنا باختصار تعليق الإمام ابن القيم في كتابه “إغاثة اللهفان” يقول:

 كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب، وكان آدم أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟

والجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلا، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما بأن تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد، ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان.. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا مثل الملائكة الذين لا يموتون…”

وهكذا يسكن الشيطان في دائرة الممنوع والمحظور رغم قِلته وضئالة حجمه مقارنة بدائرة المباح وهو غير محصور أو محدود، ويبذل إبليس جهده في هذه النقطة من ناحيتين:

الأولى: أن يزين لأقوام تضييق دائرة المباح حتى يقدموا الدين خَصما للفطرة والعقل ومصالح العباد.

ويجعلوا الشرع تحريما في تحريم، بدعوى الحيطة والحذر وسد الذرائع، فينفر الناس من الدين بالكلية ويستبيحون الحرام الذي لا شك فيه.  وهذا المسلك يُفسد فطرة الطفل والشاب إذا نشأ عليه.  وهو الذي أفسد الأديان قديما. فالإسراف في القول بالتحريم أو دعوى التحريم بغير هدى ودليل صحيح صريح يصرف الناس عن التدين ويصد عن سبيل الله تعالى.

الثانية: أن يوسوس الشيطان للإنسان ليقتحم الممنوع ويزينه له بمكائد عديدة، كما فعل مع أبيه آدم عليه السلام بـ”شجرة الخلد”  و”ملك لا يبلى”. ويجلب عليه بخيله ورجله ويحشد أتباعه الناعقين بكل سبيل ليثيروا الشبهات حول الدين وأحكامه والتشكيك في مُسَلماته وقطعياته، وما أكثر الحيل التي يبتدعها إبليس ويوحى بها لأوليائه ليفسدوا في الأرض وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

 ومن يفشل في الدخول إليه من باب الشبهات نفذ إليه من باب الشهوات.

“وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)” الأعراف

كيدٌ متكرر

كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يستعيذ بالله من جَلَد الفاجر وعجز الأمين.

حينما يمتلك أهل الفساد والإفساد قوة  المال والإعلام والسلطان فإنهم يلتمسون جميع الوسائل والطرق لغرس أفكارهم ومبادئهم، ومنها أسلوب المخادعة والمخاتلة وارتداء قفازات الحرير التي تُخفي السم الناقع، كالحية الرقطاء .

وتحت شعارات برَّاقة خدَّاعة مدفوعة بحشد حقوقي وإعلامي ومالي استُبحيت الأعراض وهُدمت الأسر وضاعت المجتمعات وقُلبت الحقائق واغتُصبت حقوق واحتُلت أوطان وخُدعت شعوب.

 والأمثلة كثيرة جدا.

أنواع التأكيد الواردة في الآية يستعلمها أهل الغواية في زماننا:

هذا إشارات لغوية استنبطها ابن القيم من الآية الكريمة للوسائل التى زخرف بها إبليس أسلوبه في الخداع والتي تتكرر في زماننا وفي كل عصر من أهل الغواية، أشير إليها بتصرف:

1- التأكيد بالقسم. قلت: وكم حاكم حنث في أيمانه، وكم من قاض باع ضميره، وكم مؤسسات دولية تكيل بألف مكيال رغم إعلانها للمحافظة على حقوق الإنسان. 

2- تأكيده بأنَّ.

3- تقديم المعمول على العامل، “والقصد منها إرادة الحصر” كما في قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين أي: نصحيتي مختصة بكما وفائدتها إليكما لا إلىّ. قلت: وهكذا يفعل أتباع الشيطان في كل بدعة مضلة فاسدة أنها ستنفع أتباعها. والتاجر الذي يُغرر بزبائنه يقسم لهم أغلظ الأيمان أنه لن يربح منهم شيئا وأنه ناصح أمين.

4- الإتيان باسم الفاعل وليس المضارع، ليدل على الثبوت واللزوم . واسم الفاعل هنا “ناصح”.

5- إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم. “لمن الناصحين”.

6- صوَّر نفسه لهما من جملة الناصحين. وهكذا يَلبس أصحاب النحل المنحرفة عن الإسلام التي تخالف أصول الشرع وأحكامه ثوب الواعظ المشفق، “وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)” البقرة. 

وتلعب بعض وسائل الإعلام والتواصل الحديثة – صحف – مجلات – سينما – مواقع – ألعاب الكترونية إلخ  دوراً كبيراً في زماننا في تلوين أمزجة الشعوب وفق أجنداتها  وخططها الماكرة التي أفضت إلى صناعة إنسانٍ هش الشخصية مضطرب النفسية، متقلب المزاج، ضعيف الإرادة عديم الغاية، قلق الفؤاد ظمئ الروح، تائها يسير في الأرض حيرانًا.  والحديث في هذا يطول عن المقام.

“فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ……(22)” الأعراف

وهكذا يفعل الشيطان مع الإنسان، كلما اقتحم بابا من الشر وظن أنه فيه ما يشبع لذته ويحقق غايته وسعادته وجد نفسه يجري خلف وهمٍ وخيالٍ وسرابٍ . ولن يجني من وراء ذلك إلا الندامة والشقاء. ونسأل الله السلامة وحسن العاقبة.

 الكون والوجه الآخر للفطرة

تتجلى سلامة الفطرة في الكون كما في النفس، فنظرةٌ إلى زُرقة السماء وصفائها، ومشهد البحر وأمواجه، وأصوات العصافير وأنغامها، وخرير الماء وصوت حفيف الأشجار، وجمال ساكن في جناح فراشة، وألوان زاهية في ورود جميلة، وتناسق بديع وتكامل دقيق في خَلْق الله تعالى . كل هذا يعكس معنى الفطرة، فالنفس بطبيعتها تحب الجمال وتنفر من الفوضى، وتستعذب الأصوات الحسنة وتصد عن أنكر الأصوات، وتأْلَف السكون وتضجر من العبث. 

وهكذا يجب أن نحافظ على سلامة فطرة أولادنا من التبديل والتغيير، بحسن تربيتهم على الكلمة الطيبة، والمنظر الجميل، والنظام والدقة، والمحبة والتسامح، واحترام الحقوق، وبيان معالم الحلال والحرام، وتحسين الحسن، وتقبيح القبيح.

وما زال في حديثنا بقية إن شاء الله.

كتبه فضيلة الشيخ/ طه عامر

Posted on Leave a comment

خواطر حول الحج 2021/ 1442 | خطبة جمعة

أيها الأحبة في الله

في يومنا هذا ينهي حجاج بيت الله الحرام آخر أعمال الحج في منى، فيرمون الحجرات للمرة الأخيرة، ثم يتوجهون إلى بيت الله الحرام في مكة ليكون طواف الوداع آخر عهدهم بالبيت الحرام قبل المغادرة، وفي هذا الصدد تحضرنا بعض الخواطر والذكريات من الحج، نذكر شيئا منها بحسب ما يتسع له المقام:

أول ما تلحظه النفس هو عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فمن تأمل في الأعداد الهائلة التي تقصد تلك البقاع في تلك الأيام, واجتماعها هناك, وأداءها لهذه الشعائر، يقفُ معظّماً لخالقه العليم بهؤلاء المحيط بهم، ويزداد إيماناً بربه سبحانه الذي له الصفات العلى والأسماء الحسنى، قال تعالى كما في سورة مريم [94]: “لقد أحصاهم وعدهم عداً ..”.

لقد علم الله بهم وبوقت مجيئهم، ومحل استقرارهم، وعلم بأحوالهم ونياتهم، وحوائجهم ورغباتهم، ووقوفهم ومبيتهم، ودعواتهم ومطالبهم في عِلمٍ جليلٍ عظيمٍ لا يغادر كبيرة ولا صغيرة من أحوالهم إلا أحصاها.

الأمر الثاني: الاستجابة العجيبة من هؤلاء البشر، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، لنداء تردد منذ قرون على لسان نبي الله إبراهيم بعد الانتهاء من بناء الكعبة كما في سورة الحج [26-27]: «وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ»

فالحاج يشاهد بنفسه هذه الاستجابة العجيبة، ويرى الحجاج يتحركون نفس الحركة، ويقومون بنفس الأعمال، دون لغة تربط بينهم، غير لغة القلوب، ونداء الإيمان.

الأمر الثالث: إن منظر الحجاج وقد لبسوا البياض، وحشروا في مكان واحد، كيوم عرفة، يذكرنا بيوم القيامة، حيث يحشر الناس في صعيد واحد ينتظرون بدء الحساب، ويخشى كل واحد منهم عاقبة أعماله السيئة، ويرجو ثواب أعماله الصالحة، ويطمع في رحمة ربه التي وسعت كل شيء، كما قال تعالى في سورة الأعراف [156]: “ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ

الأمر الرابع: الذكريات التي تحضر الحاج وهو يؤدي المناسك، فيذكر في طوافه تعظيم نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل وكذلك نبينا محمد عليهم السلام أجمعين للبيت الشريف، مستحضراً قول الله سبحانه في سورة الحج [32]: “ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”، ويذكر في صلاته خلف مقام إبراهيم اجتهادَه عليه السلام في البناء، وحرصه على تنفيذ أمر الله في بناء الكعبة وخدمة الإسلام بذلك البناء.

ويذكر في سعيه بين الصفا والمروة سعي أم إسماعيل هاجرَ بينهما بحثاً عن الرزق لولدها الرضيع دون اعتراض على أمر الله لزوجها إبراهيم عليه السلام، الذي تركها وحيدة في تلك الصحراء بأمر من الله عز وجل.

وكذلك حين يشرب من ماء زمزم، أو يرمي الجمرات، أو يحلق، أو يُقصّر.

وكذلك حين يزور المدينة المنورة وما حولها من الأماكن التي كانت مسرح الأحداث العظيمة التي أهدت إلينا خير الأديان.

الأمر الخامس: استماع الحاج للقرآن وهو يتلى في المكان الذي نزل فيه أول مرة على قلب محمد صلى الله عليه وسلم يعطيه نوعا من الخشوع لا يمكن أن يجده في أي مكان آخر.

وأذكر – في إحدى السنوات – أن إمام الحرم قرأ مرة في صلاة الفجر آيات من سورة الأنفال حتى وصل إلى قوله سبحانه: “وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ” [الأنفال: 30]، فأجهش بالبكاء ولم يستطع أن يواصل القراءة بعدها، وبكى الكثير من الحجاج معه، ثم ركع الإمام لينهي الصلاة بذلك.

فتأملتُ حجم المؤامرات التي حيكت ضد النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف نجاه الله منهم، ثم أعاده إلى نفس هذا المكان لتُتلى فيه هذه الآية، ويُتلى كذلك سائر القرآن، وكيف تحوّل هذا المكان الذي كان مركزا للتآمر على الإسلام، إلى قلب الإسلام النابض، ومركز الأنوار في الكون كله، تشع منه إلى أرجاء الدنيا كلها.

فلا خوف على الإسلام بعد هذا، ولا يمكن لهذا النور الذي أرسل الله به نبيه صلى الله عليه وسلم إلا أن يتم وينتشر في الدنيا كلها.

الأمر السادس: حين أتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج”، أعلم حجم النعمة التي من الله بها على من حج بيته، فليجتهد في المحافظة عليها بأخلاقه وحسن عبادته لله عز وجل، لعل رحمة الله سبحانه تشمل المسلمين أجمعين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله أتباعه أجمعين.

خطبة للشيخ: علي بن مسعود