اللغة العربية وأثرها في حفظ هوية أولادنا حول العالم

الشيخ طه عامر

الشيخ طه عامر

عضو المكتب التنفيذي للمجلس الأوروبي للأئمة، ورئيس هيئة العلماء والدعاة بألمانيا

  قلت أخصص هذا المقال عن أولادنا في الغرب وأهمية اللغة العربية وأثرها في حفظ هويتهم، ثم وجدت أنَّ شبابنا في البلاد العربية بحاجة أيضا لتعزيز اللغة العربية وتمكينهم منها وإحياء قيمتها ومكانتها في نفوسهم،

 قال الرافعى  فى ” وحي القلم”: ما ذَلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ فى ذهابٍ وإدبارٍ ، ومن هذا يفرِضُ الأجنبيُّ المستعمرُ لغتَه فرضاً على الأمةِ المستعمَرَة ، ويركبهم بها ويُشعرهم عَظَمَته فيها ، ويَستَلحِقُهُم من ناحيتها ، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً فى عملٍ واحدٍ: أما الأولُ: فحبْسُ لغتهم فى لغتِهِ سِجناً مؤبداً.وأما الثاني: فالحكمُ على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً.وأما الثالثُ: فتقييدُ مستقبلهم فى الأغلالِ التي يصنعُها، فأمرهم من بعدِها لأمرِهِ تَبَعٌ.”

ومن العجب أن تتدحرج لغة الإسلام في بعض البلاد العربية لتصبح لغة ثانية، وهذا منذرٌ بفساد ومؤذنٌ بانتكاسة حضارية كبرى.

حينما تزور بعض المدن في عواصم عربية فتجد اللغة الانجليزية هي السائدة فأنت حينئذ أمام شعب مهزوم نفسياً متأرجح، لا يعرفه هويته ولا يستدل على شخصيته.

تأمل معي مكانة اللغة العربية كما أخبر عنها القرآن الكريم :

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) سورة الرعد

ولقد يسره الله تعالى؛ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (97)  سورة مريم

بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) سورة الشعراء

قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) سورة الزمر

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) سورة الشورى

للغة العربية أهمية كبيرة ومنزلة سامية، فهي اللغة التي نزل بها أعظم كتاب وخاتمة الرسالات إلى البشر.

إن اللغة العربية تحمل خصائص كبيرة لا توجد في غيرها.

واللغة العربية هي لغة الشعر العربي ذاكرة العرب وتاريخهم.

وقد تركت أثرها في اللغات الأخرى مثل التركية والفارسية والأردية.

اللغة العربية وفهم الإسلام 

 يستطيع المسلم أن يفهم القرآن الكريم فهما دقيقا بقدر معرفته باللغة العربية وعلومها، وبقدر ما يعرف من اللغة بقدر ما يتذوق معاني القرآن الكريم ويستمتع بجماله وبلاغته وبيانه.

وقد جعل العلماء من شروط من يتصدى لتفسير القرآن الكريم أن يكون عليما بلغته محيطا بها، فلا يصح أن يتجرأ على كتاب الله وهو لا يعرف لغته.

لقد تهيب أبو بكر الصديق رضى الله عنه أن يقول في القرآن بمجرد رأيه فقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي.

ويوماً ما وقف عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمام قوله تعالى: ” وفاكهة وأبا” فقال: قد علمنا الفاكهة، فما الأبّ …ثم قال: ما ضر ابن أم عمر أن لا يعلم في كتاب الله شيئا …

وهناك فرق بين خاطرة إيمانية كثمرة لتدبر القرآن الكريم وتأثر القلب بما يقرأ، وبين الجرأة على التفسير دون علم والقطع بأن هذا هو مراد الله تعالى، فالقرآن الكريم لا يُفسر إلا وفقا لقواعد اللغة العربية.

يقول الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة): ” وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحدٌ جَهِل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجِماع معانيه وتفرقها.

ومن عَلمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها “.

وقد تحدث الإمام الشاطبي في الموافقات في كتاب المقاصد عن بعض لوازم المجتهد تضلعه باللغة وفهمه لها أنقل باختصار:

“إن هذه الشريعة المباركة عربية ، لا مدخل فيها للألسن العجمية. وإنما البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة، فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يُفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة”.

 أثر اللغة العربية في تنمية المشاعر الإيمانية 

فرق كبير بين أن يقرأ المسلم القرآن الكريم وهو يعرف اللغة التي نزل بها فيتذوق المعاني ويعيش أجواء الآيات، وبين أن يقرأ المسلم دون فهم ما يقرأ.

من الأهمية أن يفهم القرآن والأذكار التي يرددها في الصلاة والصيام والحج، وكلمات الدعاء في صلاته ومناجاته لله رب العالمين.

وهذا يؤثر نمو مشاعره وزيادة إيمانه وإشباع روحه وطمأنينة قلبه وسعادته وسكونه.

يقول الإمام الشافعي في الرسالة: “ فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده ، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويتلو به كتاب الله وينطلق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك .

خطورة التلاعب باللغة العربية على تزييف وتحريف وعى الأجيال

الجهل بالعربية مدخل لإثارة الشبهات حول النصوص الدينية من القرآن والسنة.

ولمن يعلم أن الحرف في اللغة العربية كحرف من وإلى وعلى وفي تختلف معانيها من سياق لآخر، وقد جعل علماء الأصول لها بابا من مؤلفاتهم، وعلى أثر الاختلاف في فهم الحروف تختلف الأحكام الشرعية الفرعية، وهناك رسائل علمية في أثر اختلاف المفسرين في حروف المعاني.

لقد استغلت بعض الفرق المنحرفة عن الإسلام جهل المسلمين في بعض البلاد الأعجمية في آسيا بترويج مذاهبهم الفاسدة وافكارهم المنحرفة وأتوا بتفاسير عجيبة غريبة للقرآن الكريم وآياته وقد أضلوا كثيرا من الناس بسبب جهلهم بالعربية. وحينما تٌرجمت بعض هذه الكتب للعربية انكشف جهلهم واتضح زيفهم.

ومن هؤلاء قديما ” ابن عربي” وقد طالعت طرفا من كتابه الفتوحات المكية، وكان الأولى أن يُسمى ب الفتوحات الرومية على حد تعبير الشيخ محمد الغزالي رحمه الله. 

إن الرجل ذاهب في تفسيره للقرآن الكريم بعيداً عن قواعد اللغة العربية وأصولها ودلالاتها وحقائقها وغارق في تفسيره الباطني، فما أبعده.

يقول الشيخ الغزالي في كتابه: تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل: ” والسعي لإحياء أفكار ابن عربي جزء من تضليل أمتنا، وتعتيم الرؤية أمامها أو هو عرض لدين مائع يسوي بين المتناقضات، إذ قلب ابن عربي – كما وصف نفسه – دير لرهبان وبيت لنيران وكعبة أوثان إنه تثليث وتوحيد ونفي وإثبات …

وماذا تقول في رجل يفسر قوله تعالى: ” إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ” { بأن المقصود هم الأولياء الخلص ، ومعنى كفروا ستروا محبتهم لله (!) وختم الله على قلوبهم فلا يدخلها غيره، وعلى سمعهم فلا يسمعون إلا منه، وعلى أبصارهم فلا يرون إلا نوره، ولا يؤمنون بك يا محمد ” !! .

أولادنا في الغرب واللغة العربية

إذا سألنا أولادنا في الغرب: لماذا علينا أن نتعلم اللغة العربية؟

ما حاجتهم إليها؟

يمكننا هنا أن نبين بعضاً من مقاصد تعلم اللغة العربية:

– حتى نتذوق معاني القرآن الكريم ونفهم آياته ونتدبر كلماته.

لقد اخترع علماء اللغة علم البيان والمعاني والبديع خدمة للقرآن الكريم وإظهارا لإعجازه وبلاغته وأساليبه.

– اللغة العربية هي لغة الإسلام ولا يمكن أن يتعامل طالب العلم مع مصادر المعرفة الإسلامية الأصيلة بغير العربية، وكيف يتعامل طالب العلم مع كتب التراث دون اللغة العربية؟

– اللغة تترك بصماتها وأثرها في التفكير والمشاعر الإنسانية، وما أعذب اللغة العربية ووفرة المعاني شعراً ونثراً.

– الاتصال بالعمق الإسلامي العربي، فمن المهم أن يتمكن شبابنا في الغرب من التواصل مع المحيط العربي داخل أوروبا وفي الوطن العربي مهد الإسلام ومؤئل العلم ومثابة العلماء.

هل مطلوب أن يتقن أولادنا في الغرب اللغة العربية؟

علبنا أن نخطط للوصول مع أولادنا في تعلم اللغة العربية إلى مستويات ثلاث:

المستوى الأول:

أن يتمكن أولادنا من مهارة القراءة والكتابة والحديث.

وكثير من أبناء المسلمين في الغرب يتوقف في تعلم اللغة العربية عند عمر 12 عام ثم لا يجد برنامجا ومنهاجا مناسبا له، فينسى كثيرا مما تعلم.

وواجب المساجد أن تفتتح فصولاً لتعليم اللغة العربية للشباب وفق برامج مدروسة ومناهج ملائمة.

وقد أخبرني بعض إخواني من الأئمة أنهم افتتحوا بالفعل فصولاً لتعليم اللغة العربية للشباب في بعض المساجد، وتلك بادرة مباركة نريد لها الشيوع والذيوع.

المستوى الثاني:

أن يتقن نخبة من أولادنا التعامل مع مصادر المعرفة الإسلامية، فيفهم القرآن ويطلع على المراجع والكتب الأصيلة باللغة العربية.

إنني أنظر أحيانا إلى كتب التراث وأرجو أن يتذوق أولادنا جمال عبارات ابن القيم في مدارجه وغيره من كتبه أو ابن الجوزي، دون حاجة لوسيط.

غير أن الترجمة ستبقى الحاجة لها قائمة لا ريب، وهي لسان كل قوم.

لكن أمر الترجمة ليس سهلا يقول الجاحظ في كتابه ” الحيوان “:

” ولا بد للتَّرجُمان  من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواءً وغاية” 

الأمر الذي يستدعي منا عناية فائقة بتأهيل مترجمين على مستوى رفيع في إتقان اللغة وفنون الترجمة وفقهها.

المستوى الثالث:

أن نؤهل مجموعة من النابغين النابهين ليكونوا علماء ودعاة المستقبل عبر الدورات المكثفة والدراسة المنتظمة لسنوات طويلة في بيئة تنطق بالعربية، مع حُسن الرعاية والمتابعة.

ما دورنا؟

يأتي دور الأسرة في المقدمة، حينما ندرك أن اللغة العربية هوية وتعليمها عبادة والمحافظة عليها تعظيم الشريعة وإجلال للقرآن الكريم.

إن كثيرا من الرجال يتركون مهمة التعليم للأم دون أن يبذلوا جهدا معتبرا، وهذا خلل وخطأ.

التقيت شابا في الثلاثين وكان يتقن الحديث باللغة العربية حتى تظن أنه عربي قُح، فسألته: من علمك؟

قال: أبي، لأن والدته ألمانية.

الأمر ليس سهلا لكن من لاح له ضوء الفجر هان عليه ظلام التكليف كما قال الإمام ابن القيّم.

وعليك أن تعلم الأمة التي تريد بقاء ذاكرتها حية، عليها أن تحافظ على لغة دينها وحضارتها.

في اليوم العالمي للغة العربية

تحية إكبار وإجلال لكل معلمة ومعلم قضى حياته خدمة لغة كتاب الله تعالى.

تحية إجلال لكل معلمة ومعلم حبَّب الحرف العربي لأبناء المسلمين.

وتحية إكبار للأمهات والآباء الذين أدركوا أهمية لغة القرآن العظيم فحرصوا أن يترنم أولادهم بلغة الضاد.

طه سليمان عامرطه سليمان عامر