التّغافلُ في العملِ الدعويّ

فضيلة الشيخ: سالم الشيخي

التّغافلُ أدبٌ عظيمٌ وخُلقٌ نفسيٌّ عالي الجودةِ لايستطيعُهُ إلّا أصحابُ النّفوسِ المستقرّةِ الّذينَ استطاعوا أنْ يكبحُوا جِماحَ أهوائِهِمْ ويتجازُوا أمراضَ نفوسِهِمْ، معَ إدراكِهِمْ لحقائقِ قواعدِ التّعاملِ مع الأخرينَ وحكمةِ المعاشرةِ والمخالطةِ للموافقينَ والمخالفينَ. وحقيقتُهُ تعمُّدُ الإنسانِ إظهارَ الغفلةِ معَ علمِهِ لما يتغافلُ عنهُ ترفُّعًا وتكرُّمًا عن سفاسفِ الأمورِ ومُحقِّراتِ الأخلاقِ. فالمتغافلُ يتعمَّدُ الغفلةَ عنْ أخطاءِ وعيوبِ من يعاشرُهُمْ منَ النّاسِ منْ حولِهِ معَ إدراكِهِ لها وعلمِهِ بها، لكنّهُ يتغافلُ عنها كأنّهُ لمْ يرَهَا ولمْ يعرفْ مصدرَهَا إكرامًا لنفسِهِ وارتقاءً بأخلاقِهِ وسُمّوًا بسلوكِهِ.
التّغافلُ دليلٌ على حسنِ خلقِ صاحبِهِ ولذا قالَ الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ: تسعةُ أعشارِ حسنِ الخلقِ في التّغافلِ”. وقالَ الإمامُ الشافعيُّ – رحمَهُ اللهُ – الكيّسُ العاقلُ هو الفَطِنُ المتُغافلُ” التّغافلُ أساسٌ في العلاقاتِ الإنسانيّةِ النّاجحةِ يحتاجُهُ الزّوجانِ لِتنجحَ حياتَهَُمَا الأسريّةُ، ويحتاجُ إليه الأبوانِ في تربيةِ أبنائِهِمَا ويحتاجُ إليه الأصدقاءُ لدوامِ ودِّهِمْ ومحبَّتِهِمْ. صاحبُ التّغافلِ نظرَ بنفسٍ سويّةٍ إلى أخطاءِ الآخرينَ وتصرّفاتِهِمُ الملتويةِ كما ينظرُ الكبيرُ إلى تصرّفاتِ الأطفالِ العفويّةِ أو إلى تصرّفاتِ المراهقينَ المشاكسةِ، وقد فهمَهَا جيّدًا وعلمَ مقصودَهُمُ الطّفوليَّ منها، ولكنّهُ مضى في طريقِهِ وابتسمَ منْ أعماقِهِ وأشاحَ بوجهِهِ وكأنّهُ لم يرَهَا مراعاةً منهُ لنفوسِ مَنْ حولَهُ وحرصًا منهُ على دوامِ الصّلةِ والمودّةِ معَ مَنْ يعاشرُ منَ الأصدقاءِ والأصحابِ ورفاقِ الطّريقِ
. هذا الخلقُ النّفسيُّ العظيمُ يحتاجُ إليه الإنسانُ العاملُ في المؤسّساتِ والجمعيّاتِ الإسلامية والدّعويّةِ لكي يحافظَ على مقاصدِ وجودِهَا وأهدافِ تأسيسِها ووحدةِ صفِّهَا منْ أنْ تفرِّقَهَا تّصرّفاتُ بعضِ أهلِهَا ومنتسبيهَا.
العملُ المؤسّسيُّ حتّى وإنْ كانتْ أهدافُهُ عظيمةٌ، فالّذينَ تنادَوا للعملِ فيهِ بشرٌ تعتريهِمُ الأحوالُ النّفسيّةُ والأخلاقيّةُ المختلفةُ؛ ففيهمُ العاقلُ الرّاشدُ الحكيمُ، وفيهمُ المتسرع المستعجلُ، وقدْ يكونُ فيهم المؤذيَ للأخرينَ. وما منْ سبيلٍ لمنْ أرادَ أنْ يحقِّقَ أهدافَ مؤسَّسَتِهِ ومقاصدَهَا إلّا الصّبرَ والتّغافلَ عندما يرى التّصرفاتِ الأخلاقيّةَ الغريبةَ لبعضِ زملائِهِ ويفهمُ مغازيها ومعانيها لكنّهُ يتغافلُ عنْ عمدٍ ويمضي صابرًا محتسبًا ولسانُ حالِهِ يقولُ لصاحبِهِ: لقدْ فهمتُ مقصودَكَ وظَهرَ ما تخفيه في لحنِ قولِكَ ولكنْ مع هذا لن أقفَ معَ ظنونِكَ ولن أعرقلَ الأعمالَ العظيمةَ بسببِ أخلاقِكَ ،سوفَ أمضي في طريقِ تحقيقِ الأهدافِ الكبرى الّتي جمعتْنَا في هذهِ المؤسّسةِ أو تلكَ الجمعيّةِ حتّى لاتكسرَ رياحُ الفتنةِ عودَنَا وتفرّقَ جمعَنَا، ورحمَ الله صلاحَ الدّينِ الأيّوبيَّ عندما فقهَ ذلكَ فكانَ كما وصفَهَ ابنُ الأثيرِ: صبورًا على ما يكرهُ ، كثيرَ التّغافلِ عن ذنوبِ أصحابِهِ، يسمعُ من أحدِهِمْ ما يكرَهُ ، ولايعلمُهُ بذلكَ ،ولايتغيَّرُ عليهِ”.

المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس الأوروبي للأئمة