آفة “بتوع كُلُه”..!

بعض العلماء وطلبة العلم وقادة الرأي، لا يجد أحدهم حرجاً من الحديث عن الموازنات السياسية المعقدة، والصفقات التجارية المركبة، والاتجهات الاجتماعية المتداخلة؛ فتجده يُفتي، ويُرشد، ويُوجه الناسَ بوثوقية عالية في علم النفس، والأسرة، والإدارة، والفن، والعمارة، بل لا يستنكف عن الحديث عن التخطيط العسكري والتدبير الاستراتيجي .!!
يعود السبب في ذلك لاعتبارات متعددة؛منهجية وتربوية ونفسيه واجتماعية، … ويساهم كثير منا في تغذية تلك الظاهرة دون قصد.
*
قديما قرر العلامة بن خلدون: “أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها؛ والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني، وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن، أموراً كليه عامة، ليحكم بأمر على العموم، لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس، ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات”…
ثم يقول: “والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها، فإنها خفية، ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال، وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها”.
لقد خان ابن خلدون التعبيرُ عندما عمّم الحكم، ولو كان حياً بيننا لاتهمناه بفهم قاصر لشمولية الإسلام، أو لربما اتهمناه بالعلمانية المبطنة، كما يقول بعض المراهقين (المراهقة هنا ليست مرحلة عمرية).
*
عبر ربع قرن ونيِّف وجدت من خلال احتكاكي بشريحة كبيرة من العلماء والدعاة، ومتابعة جيدة لما يصدر عنهم من كتب ومقالات ومواقف، بل من خلال “مواقفي وأخطائي الشخصية؛ “أن كلمة ابن خلدون تستحق الوقوف طويلا على ما فيها من تعميم مُخل.
صحيح أن تاريخنا عرف علماء موسوعيين، كانت لهم مطالعة وسياحة واسعة في فنونٍ شتى، كوّنت لديهم ما وصفه ابن خلدون “قدرة على الغوص في المعاني بشكل كلي”، ولكنهم لم ينسِبوا لأنفسهم تخصصاً في هذا الشأن، أو يزاحموا أهل الفن، ويتشبّعون أمام الجماهير -زورا- بما لم يُعطوا ! لأن المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوب زور كما قال صلى الله عليه وسلم ! والتشبع يكون بالمعرفة والعلم كما يكون بالمال والجاه.
قد يقبل ذلك في العصور البسيطة الغابرة، ولكن عصرنا اليوم بما وصل إليه من ثورة معرفية وتوسع رقعة العلم؛ اضطر إلى فصل عشرات التخصصات في مجال معرفي واحد، ولو توسع كل متخصص في تخصصه، وحَفَر فيه عميقا، لكان إنتاجه أوفر، وأثره أعمق، بدلا من مسلك التشتت والمشاركة المتشظية في كل شيء، بدعوى الموسوعية أو تحت شعار علو الهمة والإيجابية !
*
مما ساعد الغرب على نهضته الحضارية اليوم – بحسب ظني – هو أنه قاوم التمدد الأفقي لرهبان الكنيسة في حقل المعارف الإنسانية، حتى وصل بهم الحال لإصدار قرارات بحرق المخترعين، ومطاردة المبدعين، وإقصاء المفكرين، بعد أن حرفوا الدين نفسه واحتكروا أدوات معرفته بما في ذلك تعلم لغة الإنجيل !!
*
أمتُنا اليوم تحتاج إلى مبدأ التخصص الدقيق “تأسيساً وتكريساً”حتى نُفسحَ للمتخصصين من علماء الاجتماع، والسياسة، والطب، والهندسة، والتاريخ، والفن.. المجالَ للمساهمة في صناعة الحياة، وإعمار الوطن.
كل هذا لا ينافي حريةَ التعبير عن كل رأي، ولا يتعارض مع التفكير في كل شأن، شريطة أن يكون ذلك على سبيل المطارحة والمقاربة، من منطلق التثاقف وتلاقح الأفكار، لا على سبيل القطع والجزم، من منطلق التخصص وحيازة الصواب.
*
إن طبيعة الحياة لا يصلح لها أحزاب وأفراد وعلماء ” بتوع كله”.. والله تبارك وتعالى برحمته ولطفه وعدله، أمِرِنِا بالتعاون والتكامل، وجَعَلَ بعضَنا لبعضٍ سِخْرِيا، و لم يُكلِّف الناس ما ليس في وسعهم، وما لايستطيعون !
وفي وصيةِ دُريد طرفٌ من الحكمة، حين قال:
إِذا لَم تَستَطِع شَيئاً فَدَعهُ * * * وَجاوِزهُ إِلى ما تَستَطيعُ.

المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس الأوروبي للأئمة