Posted on Leave a comment

فضل العشر من ذي الحجّة

إن من نعم الله علينا أن جعل لنا مواسم خير وعطاء، نستجلب فيها رحمته ومغفرته، ونتزود منها للقائه. ومن هذه المواسم المتميزة العشر من ذي الحجة، والتي جمع الله فيها أُمهات العبادات كما أشار إلى ذلك ابن حجر رحمه الله بقوله: ” والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أُمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره ” فتح الباري. وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ” وقد دلت الأحاديث على ان العمل في أيام ذي الحجة أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده”.

فهيا بنا أيها الأحباب نري الله من أنفسنا خيرا، فإننا مقبلون على عشر مباركة، أقسم الله بها في كتابه، فقال: وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ والعظيم لا يقسم إلا بعظيم.. وهي الأيام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها، فقال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ

وقال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام))، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء)) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

أولا: من أرادَ الصلاةَ تطهَّر لها، وكذا من أراد أن يتقبل الله منه صالح العمل ويستجيب دعاءه ويغفر له في موسم الخير والغفران، فعَليه أن يتطهَّر من أدرانِ الذنوب وأن يغسِلَ قلبَه من أوحالِ المعاصي، فالتّوبةُ والاستِغفار من أولى ما تُستَقبَل به مواسمُ الخير، فكيف نلقَى الله تعالى وندعوه ونَرجو خيرَه وبِرَّه وإِحسانَه ونحن مثقَلون بالأوزارِ، فالمعَاصي تحرِم العبدَ من   قبول الأعمال وإجابةِ الدعاء.

ثانيا: تجديد النية باغتنام هذه الأيام بما يرضي الله تعالى، مع كثرة الدعاء، عسى أن يفتح لنا ربنا أبواب طاعته ورحمته ومغفرته في هذه الأيام المباركة.

ثالثا: من أهم مقاصد العبادات تحقيق مقام التقوى {لعلكم تتقون} {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ}، وهي من أهم شروط القبول {إنما يتقبل الله من المتقين}، وما يناله العبد من الفضل والثواب عند الله مرتبط بما في قلبه من تقوى الله عز وجل {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. والمولى عز وجل إنما أعد دار كرامته لعباده المتقين {إن المتقين في جنات وعيون}، فمن أراد اللحاق بهم فليبذل المجهود من نفسه لتحصيل صفاتهم، فليست التقوى بالمظاهر والأقوال، ولا حتى بظاهر الأعمال، وإنما تقاس بما يزين العبد من صفات المتقين، وبما وقر في قلبه من الإيمان والخشية.

رابعا: إننا في حاجة إلى فقه صحيح لمعاني العمل الصالح الذي يقربنا من الله مع احترام سلم الأولويات.. فالعمل الصالح لا يقتصر على الشعائر التعبدية، بل يشمل أعمال كثيرة حث عليها الإسلام ورغب فيها، وبها نتقرب إلى الله.. لما سئل نبينا عن أحب الناس إلى الله وأحبِّ الأعمال إلى الله، قال عليه الصلاة والسلام: ((أحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخلُه على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا ـ أي: المسجد النبوي الذي الصلاة فيه بألف صلاة ـ، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظمَ غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزولُ الأقدام))  .

وخيرُ عبادِ الله أنفعهم لهم        رواه من الأصحاب كلُّ فقيه

وإن إله العرش جلّ جلالُه       يُعينُ الفتى ما دامَ عون أخيـه

الساعي لقضاء الحوائج موعود بالإعانة، مؤيد بالتوفيق، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وفي خدمة الناس بركةٌ للعبد في الوقت والعمل، وتيسيرُ ما تعسَّر من الأمور، يقول النبي: ((من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)). وقال عليه الصلاة والسلام: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة)) رواه ابن حبان. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (من مشى بحق أخيه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة).  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أناس جلوس فقال (ألا أخبركم بخيركم من شركم) قال : فسكتوا ، فقال ذلك ثلاث مرات ، فقال رجل : بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا ، قال (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره) رواه الترمذي  وصححه الألباني.

من يرد الله به خيرا يجعله مفتاحا للخير مغلاقا للشر، ويقضي حوائج الخلق على يديه.. روى الإمام ابن ماجه، وابن أبي عاصم وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ».

وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان لا يرد صاحب حاجة حتى بعد أن تقام الصلاة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: “كَانَتِ الصَّلاَةُ تُقَامُ، فَيُكَلِّمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ فِي حَاجَةٍ تَكُونُ لَهُ، فَيَقُومُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَمَا يَزَالُ قَائِمًا يُكَلِّمُهُ، فَرُبَّمَا رَأَيْتُ بَعْضَ الْقَوْمِ لَيَنْعَسُ مِنْ طُولِ قِيَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ”. أخرجه أحمد والتِّرْمِذِي.

ومن أهم الأعمال وأجلها وأعظمها أجرا عند الله، ما نقوم به من جهد في خدمة دينه ودعوته، وللعامل منا من الأجر والثواب على قدر نيته وجهده، فحري بنا أن نتحرى الإخلاص في أعمالنا كلها، ونبذل المجهود من أنفسنا في خدمة هذه الدعوة المباركة التي أكرمنا الله بالانتماء إليها

خامسا: من أهم الشعائر المشروعة في هذه الأيام المباركة:

1 الحج والعمرة: وهما من أفضل الأعمال في هذه العشر، لما فيهما من الأجر الجزيل. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).

1 التكبير والذكر. لقوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) وقد فسرت بأنها أيام العشر، واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) وذكر البخاري رحمه الله عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله عنهم انهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر، فيكبرون ويكبر الناس بتكبيرهم.                                                                                               2الصيام: وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومها ففي سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن بعض أزواج النبي صلى الله ‏عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم ‏عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر). وروى مسلم رحمه الله عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال 🙁 صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده). وفيه أن دعاءَ يوم عرفة أفضل الدعاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أفضل الدعاء دعاءُ يومِ عرفة، وإن أفضلَ ما أقوله أنا وما قال النبيون من قبلي: لا إله إلا   الله”. أخرجه مالك في الموطأ.

3 الصلاة: تعتبر الصلاة من أعظم العبادات وأكثرها فضلا، وفي هده الأيام المباركات نتقرب إلى الله بالنوافل كصلاة الليل والسنن، وفي الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).

4 الصدقة: ومن الأعمال الصالحة التي ترفع الدرجات وتكفر الخطايا وتزكو بها النفوس (الصدقة)، خصوصا في هذه الأيام المباركة التي تضاعف فيها الأجور وتتنزل فيها من الله البركات والرحمات..

5 صلاة العيد: صلاة العيد يوم النحر من أبرز شعائر الإسلام الظاهرة، وهي سنة مؤكدة عند أكثر اهل العلم، واعتبرها بعضهم من الواجبات كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

5 الأضحية: وقد أجمع أهل العلم على مشروعيتها، وكونها من شعائر الدين الظاهرة، ولهذا كان حريا بنا أن نحافظ عليها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

نسأل الله تعالى أن يدخل علينا هذه العشر المباركة باليمن والبركة والرحمة، وأن يفتح لنا فيها أبواب طاعته ويوفقنا فيها لما يحبه ويرضاه، وأن يغفر لنا أجمعين.

بقلم الشيخ: عبد المجيد نوّار

Posted on Leave a comment

المعالم العشر لهوية المسلم الأوروبي

من نحن؟ وماذا نريد؟

1- مسلمون أوروبيون ننتمي للإسلام ديناً، ولأوروبا وطنا، ونهتدى بأنوار القرآن العظيم الذي يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والصدق والأمانة والتعارف بين الناس، وينهى عن الظلم والكراهية وقطع الأرحام، ونَتَلَمَّس خطى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

2- مسلمون أوروبيون نحب أوطاننا التي نعيش فيها، ونحب لها الخير والرفعة والنهضة، ونسعى بكل سبيل لتعزيز قيم الحرية والعدالةوالتعايش والتعددية والمواطنة والانفتاح على العالم من حولنا .

3- نؤمن أن التنوع الذي يَنْعم به المجتمع الأوروبي في الألوان واللغات واللهجات والأعراق والثقافات هو مصدر قوة وثراء، ونراه أجمل من لوحة فسيفسائية تسر الناظرين.

ولا غرو فإنَّ صورة الاختلاف بين الناس إنما هى الوجه الآخر لجمال صُنع الله في الكون، حيث يبدو الكون جميلاً في تنوعه، متنوعاً في جماله. وإنك لترى في مشهد واحد لوحةً فنيةً بديعة، ترى فيها جبالاً وأنهارأ، وأرضاً وودياناً، وبحاراً وأزهاراً، وجناتٍ من أعنابٍ وزرعٍ ونخيلٍ .

“أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ” (28)، سورة فاطر.

وهذا التنوع في خلق الناس أشار إليه القرآن العظيم في قوله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” (22) سورة الروم.

4- مسلمون أوروبيون نؤمن بأخوتنا الإسلامية، وأننا أمةٌ واحدةٌ وجسدٌ واحدٌ كما أمرنا الله تعالى وعلَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأخوة الإسلامية أقوى رابط بين المسلمين وهى عنوان وحدتها وعزتها وكرامتها، قال تعالى : “إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)” سورة الأنبياء.

وقال تعالى : “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)” سورة الحجرات.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “المسلم أخو المسلم لا يَظلمه ولا يُسلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة.
رواه البخاري ومسلم.

5- لا نرى تعارضاً بين تعدد الانتماءات والولاءات، فالانتماء للوطن الأوروبي مولداً أو إقامةً لا يتعارض مع محبة أوطان الآباء والإفادة من عاداتها وثقافتها وتراثها التي لا تتعارض مع تعاليم الإسلام وأخلاقه، أو تضر بالمجتمع الذي نعيش فيه .

6- نؤمن برسالة الإسلام العالمية ، فهى رسالة لكل زمان وكل مكان، وقد أعلن القرآن الكريم عن هذا البُعد العالمي منذ أول نزوله في مكة، قال تعالى :
“وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)” سورة سبأ.

ونرى أن الإسلام أضاف إلى الإنسانية الكثير والكثير، ولا زال العالم بحاجة إلى رؤية الإسلام في كثير من القضايا والاستماع إلى كلمته، ودور المسلمين أن يقدموا من هدى الإسلام الحلول لمشكلات المجتمعات المعاصرة.

وقد جاء ديننا العظيم برسالة تُكمل طريقا دَرَجَ عليه النبيون ، ووجد رصيداً من ميراث الوحى كامناً في نفوس الناس، فبنى عليه، وأتمَّ النقص، وسدَّ الخلل، وقوَّم ما اعوجَّ، وأصلح ما فسد، وعمَّر ما خرب، ورفع ما وُضع، وَوَضَعَ ما لم يستحق إعلاؤه، وقال معبرا عن ذلك صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
رواه أحمد

إننا نفهم الإسلام أنه رسالة تدعو إلى الشراكة والالتقاء على المصالح التي تنفع الناس وتصلح الكون، دون تهميش أو إقصاء لأحد.

7- مسلمون أوروبيون نؤمن بأن أحكام الإسلام منها الأحكام الثابتة القطعية التي لا تتغير وَفقا لتغير الزمان أو المكان أو الأحوال أو الأعراف أو المصالح، ومصدر هذه الأحكام نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والإجماع والقياس. وأحكام اجتهادية تختلف فيها أنظار الفقهاء وَفقا لتعدد الأفهام في فهم النصوص ،وتعدد مناهج المدارس الفقهية، ونعتبر أن هذا من الثراء الفقهي والفكري، وهو من أعظم معالم الإسلام، ومن دلائل حَفْز العقول للتفكر والتأمل والاجتهاد فيما يتجدد للناس في حياتهم حاضراً ومستقبلاً.

8- مسلمون أوروبيون نؤمن بأن هذا العالم سفينة كبيرة تجري بمن على وجه الأرض . وإن مسؤولية أمنها وسلامتها أمانة في أعناقنا جميعا ، فمصيرنا واحد ومستقبلنا مشترك.

وهذا الكوكب الذي نسكنه يجب أن نحميه مما يهدده من أخطار التلوث والعبث بخيراته.

9- نؤمن بحق كل إنسان في الوجود، وأن يختار ما يؤمن به، ويحدد طريقة عيشه في الحياة دون أن يضر غيره، ونرفض كل صور الإكراه، وإن آية من القرآن يتلألأ منها نور الحرية، قال تعالى : “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)” سورة البقرة.

10- نؤمن أن الإختلاف في العقيدة لا يجوز أن يكون عاملا من عوامل الصراع والنزاع والكراهية بين الناس، ونرفض التطاول على عقائد الآخرين ومقدساتهم.
كما نؤكد أن ما يجمع بين بني آدم حول العالم أكثر بكثير مما يُفرقهم، وأن التحديات التي تواجه الإنسان في عصرنا من الأمراض النفسية والروحية والحروب والمجاعات وقضايا الشباب والأسرة تستوجب التعاون المشترك وتوحيد الجهود.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

طه سليمان عامر
رئيس هيئة العلماء والدعاة بألمانيا

Posted on Leave a comment

المدنية المادية.. وهل أفلست في إسعاد البشرية؟ | الإمام: أبو الوفا المراغي

المدنية المادية..
وهل أفلست في إسعاد البشرية؟
الإمام: أبو الوفا المراغي
نشر عام 1360هـ

وفِّق العلماء في الثلاثة القرون الأخيرة إلى مخترعات كانت مثاراً للدهش والاستغراب، فخيل إلى الناس أن حلم السعادة المنشودة قد تحقق، وأن البشرية تستقبل عصراً مملوءاً بالهناء والرخاء، وأنها لن ترى بعد ذلك بؤساً ولا شقاء، وأن نعيم الآخرة الذي وصف في الكتب السماوية سيتحقق في هذه الحياة، فعظم شأن العلم الطبيعي في أعينهم، ووسموا هذا العصر بعصر النور، وعنوا بالنور نور المعرفة والعلم، وغفلوا عن أن الذي يفتنهم من هذه المدنية هو الجانب الصناعي، وهو كما ولَّد الوسائل والآلات المعينة على تسهيل الحياة، وتخفيف الآلام ولَّد بجانبها البوارج والمدمرات والغواصات والطيارات والقنابل الهادمة والمحرقة والمهلكات من جميع الأنواع.
هذه هي أهم مظاهر المدنية التي اغتبط بها الناس، وظنوا بها خيراً؛ ولكنها لم تحقق الظن فيها، فلم تفتح لهم باباً من أبوب السعادة إلا فتحت عليهم أبواباً من الويلات لم تعهدها البشرية في تاريخها، فما أن أخذت هذه المخترعات مكانها من الوجود وتميزت وظائفها وتوزعتها الدول، كلٌّ على قدرها، حتى تجاوبت نذر الحروب، فشهد الناس تلك المخترعات الجهنمية تصبُّ الحديد والنار في البحر والجو، وفي الأرياف والأمصار، وفي كل بقعة من البقاع حتى لم يبق بها ملاذ يعتصم به النساء والولدان وأنَّى يكون ملاذ، وقد سلطت الطائرات على الناس تمطرهم بوابل من القذائف، بلا تمييز بين محارب ومسالم، وشيخ وشاب، وسليم ومريض، وبلا رقيب ولا محاسب، وسلطت الغواصات والطرادات على مراكب المسافرين، وسفن التجارة في البحار، تغرق وتحرق ما تظفر به، من غير مبالاة بما تحمل من إنسان أو بضاعة!
وجعلت السيارات تنقل عُدد الحرب وعتاده، وتحمل أوزاراً من الذخيرة والجنود إلى ميادين الحرب أو إلى المجازر البشرية التي أحدثتها المدنية المادية، وحوَّلت المصانع بأنواعها إلى مصانع حربية، وزاحمت مظاهر الحرب مظاهر السلام، حتى أصبح العالم كله في تناحر وصيال.
كان الناس إلى ما قبل ربع قرن يعرفون أن معنى الحرب أن جنود الأمتين المتخاصمتين يقتتلون في ساحات معينة، فمن هزم خصمه أملى عليه الشروط التي يرضاها، لا أن يصبح جميع أفراد الأمم في خطوط النار حتى الهرمى والزمنى والنساء والأطفال، وكانوا يعرفون أن هناك معاهدات تحترم، وقوانين حربية لا تنقض، تحترم فيها حياة الزمنى والهرمى والنساء والولدان.
ولكنا لم نعتم أن رأينا الحرب قد انقلبت إلى تناحر حيواني بين الجماعات، قد أهدرت فيها هذه النظم، ثم انقضت تلك الحروب وخلَّفت الفوضى في نواح كثيرة بدرجة كبيرة حتى فشا الإلحاد والزندقة، وتدهورت الأخلاق، فشاع التهتك بين الرجال والنساء، وتمردوا على العادات الصالحة، والتقاليد الكريمة، وأُسيء فهم الحرية، فخيل لأهل الأهواء أن كل منكر يمكن أن يُرتكب باسم الحرية، وتحلَّل الناس من الفضائل باسم المدنية، وانعكست موازين الأشياء في نظر الناس، فصار التدين رجعية، والاحتياط لصيانة العرض رجعية، ومراقبة الأبناء في تربيتهم رجعية، وهكذا عملت المدنية المادية في الأمم عمل السوس ينخر في العظام، حتى تهدَّم كيانها، وانتقض بنيانها، ثم استفاق عقلاء الأمم على أنَّات الألم، وصيحات الفزع من هذه الأحوال، وحاولوا جبر الصدع، ورمَّ الرثِّ، فعقدت المؤتمرات للنظر فيما أعقبته الحرب من هذا التطور الشديد الخطر على الاجتماع، وعلى السلام العام، رجاء توجيهه الوجهة النافعة للبشرية.
وفي هذه الأثناء كانت المخترعات تسير في طريق الإتقان والكمال، وكان أسرعها سيراً في هذا الطريق المخترعات الحربية، وكان كثير من الأمم في غفلة عما وراء ذلك التقدم من خطر وشرٍّ، وكانت تعلِّل النفوس بسلام يطول أمده، ويحلو مذاقه، وبينما تسبح الأمم في هذا الخيال إذا الحرب الحاضرة تقرعهم قارعتها، وتقوم عليهم قيامتها، وإذا هم يسمعون ويشاهدون من الأخطار والأهوال ما يقصر دون وصفه الخيال.
لهذا أجمع العقلاء بعد ما بلوا هذه المدنية المادية وابتلوا بها، أنها قد أفلست في إسعاد البشرية، وذهبوا في تعليل ذلك مذاهب شتى، أقربها إلى الصواب أن تلك المدنية إنما أفلست؛ لأنها فقدت أهم العناصر للوصول إلى هذه الغاية، وهو العنصر الروحي، أو عنصر الدين؛ فالمدنية إن لم تنتظم هذا العنصر فلن تصل إلى غايتها أبدا، ذلك أن الدين يطهر النفوس من الأدران والأضغان، ويكسر شرَّة الأطماع، ويحرم التطاول والطغيان، ويزيل الفوارق بين الأجناس والألوان، وينظم العلاقات بين الأفراد والجماعات، ويقيمها على أسس العدل والمحبة والتعاون، ويحرم سفك الدماء إلا بحق، لا لمجرد الهوى والتسلط، ويريح النفوس القلقة مما تراه من التفاوت في الأرزاق والدرجات، ويندب إلى المثل العليا في الفضائل والآداب.
تلك هي بعض مزايا الدين الذي تنبَّه العقلاء- بعد أن صهرتهم المحن وكرثتهم الخطوب- إلى وجوب توافره في بناء المدنية.

المصدر: مجلة الأزهر- الجزء السادس- المجلد الثاني عشر- 16 جمادى الآخرة سنة 1360هـ