Posted on Leave a comment

غزوة بدر الكبرى: دروس وعبر

ليست السيرة النبوية مجرد وقائع تاريخية ولى زمانها، ولا ذكريات من أجل التغني بأمجاد الماضي، بل هي مدرسة بما فيها من دروس وعبر، يستمد منها المسلمون زاد مسيرهم جيلا بعد جيل. فمن خلال صفحات السيرة النبوية يقف المسلم على حقائق الإسلام الكبرى مجسدة في حياة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) باعتباره القدوة الحسنة للمؤمنين في كل زمان ومكان، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}.

وقد حفلت معركة بدر بدروس نافعة وعبر عظيمة، من أهمها:

  1. أهمية التربية في إعداد جيل النصر المنشود: إن غزوة بدر لا يمكن عزلها عما قبلها، فالسنوات الأولى للدعوة، كانت كافية لتربية جيل الصحابة رضي الله عنهم على مبادئ الإسلام وقواعده المتينة، فكانوا بحق مؤمنين ربانيين عقيدة وفهما وعملا. فمن مقومات جيل النصر المنشود أن يأخذ حظه كاملا من التربية والتكوين، وبدون ذلك نكون قد تجاوزنا الخطوة الأولى التي تمثل الدعامة الأساسية في بناء الصف المسلم.
  2. إن الإخلاص والصدق من أهم أسباب النصر والتمكين، قال تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾، وإنما نصر الله أهل بدر بما حملت قلوبهم من صدق وإخلاص، رغم قله عددهم وعٌدتهم. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه قال: “جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: “يا رسول الله، أرأيت الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”. فإخلاص النية لله تعالى وابتغاء مرضاته شرط أساسي لمن أراد أن يرزقه تأييده ونصره: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورياء الناس..}. وقديما قال ابن الجوزي رحمه الله: (إنما يتعثر من لم يخلص)، وقال الإمام الشهيد رحمه الله: (الإخلاص أساس النجاح).
  3. بيان أهمية الدعاء في حياة المُسلم، وأنّه جزءٌ مهم من أسباب النصر، فقد أنزل الله ألفاً من الملائكة تُقاتل مع الصحابة في غزوة بدر بعد تضرعهم ودعائهم، قال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ). عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: لمَّا كان يومُ بدْر نظر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثُمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- القبلةَ، ثم مدَّ يديْه، فجعل يَهْتِف بربِّه: «اللهمَّ أَنْجِزْ لي ما وعدْتَني، اللهم آتِ ما وعدْتَني، اللهمَّ إنْ تَهْلِك هذه العِصابةُ من أهْل الإسلام لا تُعْبَد في الأرض»، فما زال يَهْتِف بربِّه، مادًّا يديْه مستقبلَ القِبلة، حتى سقط رِداؤه عن مَنْكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رِداءه، فألقاه على مَنْكبيه، ثم التَزَمه مِن وَرَائه، وقال: يا نبيَّ الله، كفاك مناشَدَتَك ربَّك، فإنَّه سيُنْجِز لك ما وعَدَك، فأنزل الله -عز وجل: {إذ تستغيثون ربَّكم فاستجاب لكم أنِّي مُمِدُّكم بألف من الملائكة مُرْدِفين} [الأنفال: 9]. وإذا كان الدعاء مطلوب لعموم الخلق فإن الدعاة إلى الله تعالى أحوج إليه من غيرهم، لما يجدونه في طريقهم من تحديات وهموم، ولحاجتهم المستمرة لعون الله وحسن توفيقه. قال ابن القيم رحمه الله: “الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، وهو من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه، ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخفضه إذا نزل”.
  4. إن الشعور بمعية الله والمداومة على ذكره يكسب المؤمن قوة روحية عظيمة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}، فكلما ضاقت السبل وعظم البلاء تذكر قوله تعالى: {لا تحزن، إن الله معنا} {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ}. إن استحضار معية الله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال هو منهج الأنبياء، وشعار الصالحين، ودأب المخلصين. فما أحوجنا اليوم إلى اللجوء إليه سبحانه وتعالى، التماسا لمدده وعونه، وهو نعم المولى ونعم النصير، مستحضرين قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}.
  5. والشعور بمعية الله يذكرنا بحسن التوكل عليه، وهو من أهم أسباب النجاح والتوفيق في حياة المسلم. قال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]. وفي غزوة بدر نصر الله المؤمنين بصدقهم وتوكلهم عليه رغم قلة عددهم وعُدتهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُوٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]، وهٌزموا يوم حنين حينما أُعجبوا بعددهم وعُدتهم: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً } [التوبة: 25]. فبعد الإعداد والأخذ بالأسباب يكون المؤمن على يقين تامٍّ أن الأمر كله بيد الله، وعليه فليتوكل المؤمنون.
  6. أهمية التخطيط والأخذ بالأسباب: مع حسن التوكل واليقين في نصر الله، لابد للمسلم أن يأخذ بالأسباب على الوجه الأكمل: فقد أخذ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بكلِّ ما في وُسْعه من أسباب؛ رغم كمال توكله على الله، ويقينه في نصره. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح، حيث يقول: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز). ودعاة الإسلام اليوم مطالبون بأن يحسنوا الأخذ بالأسباب المناسبة لعصرهم والمجتمعات التي يعيشون فيها، مع جميل التوكل على الله واليقين في نصره وتأييده لعباده المؤمنين.
  7. 7-     بعد انتصار المؤمنين يوم بدر، أراد الحق سبحانه وتعالى أن يذكرهم بأن النصر والتمكين نعمة منه يقر بها أعين عباده المخلصين، فلا مجال لغرور ولا عٌجب مع نشوة النصر. قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الانفال: 17] {وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:126].
  8. من شروط النصر والتمكين التزام الصبر والتقوى {بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ..} فالصبر نصف الإيمان، والتقوى عماد الدين كله، وإنما يتقبل الله من المتقين. والتقوى والصبر متلازمان لا يقوم أحدهما إلا بالآخر، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [آل عمران:200]. وما أحوجنا اليوم إلى دعاة ربانيين يجمعون بين التقوى والصبر معاً، ولا سبيل لتحقيق التقوى على الوجه الذي يرضي ربنا تبارك وتعالى إلا بالصبر، ولا سبيل للنصر والتوفيق إلا بالصبر مع التقوى.
  9. وبعد قوة العقيدة تأتي قوة الأخوة بين المؤمنين والتآلف بين قلوبهم، وهذه نعمة من الله ومن أهم أسباب النصر، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿… هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (الأنفال: 62 – 64).  ولقد مَنَّ الله على عباده المؤمنين بهذه النعمة وهو ينهاهم عن ضدها: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران). إنَّ الدعاة إلى الله في حاجةٍ ماسةٍ لتجديد معاني الأخوة الإيمانية في حياتهم حتى تتوثق أواصر الوحدة بينهم، فلا تذهب ريحهم وتتشتت جهودهم. ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الاسوة الحسنة حين آخى بين المهاجرين والأنصار كخطوةٍ أساسيةٍ بعد ترسيخ الإيمان في قلوب المؤمنين. لقد أقام النبي (صلى الله عليه وسلم) المجتمع الإسلامي الأول على دعامتين: الإيمان بالله، والأخوة في الله، وعليهما يقوم بناء جماعة المسلمين أينما كانوا.
  10. إن الصحابة رضي الله عنهم ضحوا بكل غال ونفيس فداء لهذا الدين العظيم الذي أكرمهم الله به، تركوا أموالهم وديارهم، وهاجروا بدينهم إلى طيبة، لا يملكون شيئا من متاع الدنيا، حتى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما رأى حالة فقرهم الشديدة قال: (اللهم إنهم جياع فأطعمهم، وعراة فاكسهم، وحفاة فاحملهم). فليعلم دعاة الإسلام أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته. (ولا تنجح الفكرة إلا إذا قوى الإيمان بها وتوفر الإخلاص في سبيلها وازدادت الحماسة لها ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها) وعلى قدر النية والجهد يكون التوفيق في الدنيا، والجزاء عند المنعم في جناد الخلد إن شاء الله.
  11. التأكيد على مبدأ الشورى في حياة الجماعة المسلمة: فهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو المؤيّد بالوحي من ربه يستشير أصحابه في غزوة بدر أربع مرّات، ليؤكد لنا أن الشورى سنة نبوية ثابتة ومبدأ قرآني لا غنى عنه، وأساس كل نظام ينتمي للإسلام أو يرفع شعاره. قال تعالى ” وشاورهم في الأمر ” هذا خلق الحبيب صلى الله عليه وسلم بعثه الله به، وعلى أتباعه أن يتخلقوا به.

هذه بعض الدروس والعبر المستفادة من ذكرى غزوة بدر، نسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، وأن يوفقنا لتحقيق معانيها في أنفسنا، وأن يبارك لنا في ما بقي من رمضان ويرزقنا فيه التوفيق والقبول والغفران، آمين.

بقلم الشيخ: عبد المجيد نوّار

Posted on Leave a comment

وما كان ربّك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون | من سنن الله في النفس والحياة

 الحلقة: 8

وما كان ربّك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون

ورد هذا القانون بهذه الصّيغة في سورة هود المكية. من يقرأ القرآن الكريم بتدبّر ونظر وتأمّل لا يفوته أن يعلم أنّ لله سبحانه سنّة ماضية في الأمم المكذّبة. وخاصّة الأمم الصّادّة عن سبيل الله سبحانه. تلك هي سنّة الإهلاك ولو بعد إمهال لعقود طويلات بل لقرون أطول. حتّى إنّه اتخذ سلسلة سباعية من الأمم التي تعرّضت إلى ذلك في إثر تكذيبها أنبياءها وصدّهم عن سبيل الله. تلك السّلسلة السّباعية لا يفتأ يذكرها بانبساط مرّة وباقتضاب مرّة أخرى. أو يجمع بين انبساط وانقباض في السّياق ذاته أحيانا. وكلّ ذلك بحسب مقتضيات السّياقات. يتركّب ذلك السّلم في العادة الغالبة من قوم نوح ثمّ من قوم هود (عاد) ثمّ من قوم صالح (ثمود) ثمّ من قوم لوط وأحيانا بذكر عمّه إبراهيم عليه السّلام ثمّ من قوم مدين (شعيب) ثمّ من قوم موسى (بني إسرائيل ومختلف المفردات: فرعون ومن معه) . تلك هي أهمّ مركّبات تلك السّلسة التي اتخذها القرآن الكريم مثلا غالبا للتّكذيب المشفوع بالإهلاك. وقد تتغيّر بعض حلقات تلك السّلسلة ولكنّها تغيّرات طفيفة جدّا. كأن يتغيّر اسم القوم مثلا أو تعريجا على آخرين. ولكن مركّبات: قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وقوم موسى هي مركّبات ثابتة. كلّ ذلك بطبيعة الحال في رسالة إلى قريش أصالة وإلى النّاس عامّة حتّى يوم القيامة. ولا ينفع القول هنا أنّ عاقبات التّكذيب أو الصدّ تغيّرت إذ هي تغيّرت فعلا. ولكنّ قانون الإهلاك ماض مطّرد ثابت. عدا أنّ صوره تغيّرت وليس أصله. هذا أمر يغفل عنه النّاس. بل حتّى بعض المسلمين. كما أنّ قانونا آخر قد يشغب على النّاس فيجعلهم يغفلون عن هذا القانون (قانون الإهلاك) وهو قانون الاستدراج أو المدّ أو الإملاء بحسب تغيّر التّعبير عنه باللّفظ القرآنيّ. هما قانونان يسيران جنب إلى جنب. فلا يشغب أحدهما على الآخر. قانون المدّ من جهة لمن تمرّد على التّكذيب والصدّ حتّى أضحى ذلك له مهنة وحرفة لا يحيد عنها. وقانون الإهلاك من جهة أخرى. وهو يصيب النّاس من بعد آخر بعثة رسالية بصور أخرى مختلفة عن صور الإغراق والسّحق والمحق والصّعق وغير ذلك. كلّ ما تقدّم كان ضروريا للحديث عن قانون الإصلاح الذي هو طارد لقانون الإهلاك. قوام هذا القانون هو أنّ الله سبحانه يهلك في العادة الظّالمين سيما بمعنى الصّد عن سبيل الله سبحانه من بعدما تبيّن لهم الحقّ. ولكنّه يؤخّر هذا القانون عندما يهرع النّاس إلى الإصلاح. جاء الحديث عن الإصلاح في جملة حالية (وأهلها مصلحون). هي (واو) الحالية. فكون حال بعض أهل تلك القرية ـ التي أهلها ظالمون ـ هي حال إصلاح فإنّ الإهلاك بعيد عنهم. ومن ذا امتلأ الكتاب العزيز بالدّعوة إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والإصلاح والصّلح الذي عدّه دوما خيرا (والصّلح خير) والدّعوة إلى الخير. وأردفت السنّة ذلك بالقيم ذاتها داعية إلى إعمال النّصيحة التي عدّها هي الدّين ذاته (الدّين النّصيحة) وغير ذلك ممّا امتلأ به الوحي الكريم من قرآن وسنّة. إنّما يحيق الإهلاك بالأمم والشّعوب عندما تقفر أرضهم من قيم الإصلاح بالكلّية. هذا تكريم لقيمة الإصلاح ولعمل المصلحين. أرأيت كيف أنّه لم يعلّق الأمر على بلوغ الإصلاحات مداها. إنّما وعد بطرد الإهلاك لمجرّد قيام الإصلاح الذي هو من المعلوم بالتّجربة الصّحيحة بالضّرورة أنّه لا يبلغ مداه حتّى يعوّق ويهدّم ويسجن أهله وينفوا من الأرض ويقتّلوا تقتيلا. هذا يجعلنا نلتقي مع قانون ماض عنوانه (الله يريد الآخرة). أي أنّه لا يريد أن تصل الإصلاحات إلى آمادها المسطورة ليعمّ العدل عموما. وإنّما هو سبحانه يبتلى النّاس: هل يتجشّمون طريق الإصلاح الذي دونه كلّ المهالك التي يخشاها الإنسان على نفسه جبلّة ـ وليس خوفا مكروها ـ أم يسكنون في الدّعة. بقيت كلمة (بظلم) هل تعني نفي الله عن نفسه سبحانه الظّلم وهذا مؤكّد معروف. ولكن هل هذا هو المعنى هنا. أم أنّها تعني السّببية ليكون المعنى: وما كان ربّك ليهلك القرى بسبب ظلمهم. المعنيان محتملان. وتلك هي طبيعة النّظم القرآنيّ العظيم العجيب عندما يريد تحدّي العرب الأقحاح. وعندما لا يكون الموضع في سياق نصّ دينيّ يتوقّف عليه خير أو شرّ أو حلال أو حرام أو واجب أو فريضة. أمّا التنطّع الحامس انتصارا لهذا المعنى أو ذاك في المتشابهات ـ التي أريد لها أن تكون كذلك ـ فليس من العلم ولا من الحكمة

والله يعلم وأنتم لا تعلمون

ورد هذا القانون بهذه الصّيغة في سياق الحديث عن القتال في سورة البقرة. إذ قال سبحانه (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون). ولكن ورد في مواضع أخرى ربّما تعالج فيما يأتي إن شاء الله. عادة ما يأتي هذا القانون عندما يخشى على الإنسان أنّه يجد في نفسه حرجا فيما ورد من تشريع أو تكليف. ورد هذا في موضع عدم عضل المرأة المطلّقة أن تعود إلى زوجها إذا تراضيا. والمفهوم هنا أنّ الخطاب موجّه إلى الأولياء الذين لا يريدون عود المرأة إلى زوجها الذي طلّقها. فهم من شدة شنآنه يذهبون إلى عقابه وشطب أيّ إمكانية أخرى لعودة حياة زوجية. كما ورد تعقيبا على الذين يحاجّون فيما ليس لهم به من علم من الإسرائيليين. إذ أنّ بعضهم يحاجّ في إبراهيم الذي أنزلت التّوراة والإنجيل من بعده. فهي إذن محاجّات مدحوضة لا سلطان للعلم فيها. كما ورد تعقيبا على حادثة الإفك في سورة النّور المدنية منبّها المسلمين إلى أنّ شيوع الفاحشة في صفوفهم ـ بتدبير من المنافقين وغيرهم من أعدائهم ـ هو الخطر المحدّق عينه. فلا تساهل مع هذا ولا غفران. لأنّ السّفينة عندما تخرق تغرق. ولا يشفع من بعد غرقها أحد لأحد. ولن يتلطّف البحر بأمواجه العاتية وظلماته المدلهمّة بغارق لم يكن من المساهمين في ذلك الخرق. ورأينا أنّ هذا القانون (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) كيف أنّه جاء تعقيبا على كتب القتال. ذلك أنّ النّفس تخاف القتل الذي هو ثمرة ممكنة للقتال. ولكنّ موت بعضنا ـ إذا لم يكن من ذلك بدّ ـ لأجل حياة الآخرين آمنين في أوطانهم وحرماتهم وكراماتهم وحرّياتهم هو أيسر من موتنا جميعا تحت نير الرّق الشّنيع والذّلة المهينة. هي قيم فطرية. ولا أدلّ على ذلك من أنّ العرب أنفسهم في جاهليتهم الأولى أقرّوها إذ قالوا: تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها. وقال شاعرهم الكبير: لا تسقني ماء الحياة بذلّة بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل. وربّما ـ ولأسباب أخرى ـ بسبب هذه العزّة العظمى المتأصّلة فيهم وتلك الأنفة أنزل الله عليهم سبحانه كتابه وجاء منهم رسوله عليه السّلام. (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) قانون ماض مطّرد صارم وسنّة مسنونة. بل هي حقيقة لا أظنّ أنّ أحدا يجادل فيها. من يراجع حياته فينا يلفى بيسر محطّات كثيرة فيها لم يكن فيها مختارا كلّ الاختيار. إنّما ساقته أقدار الرّحمان سبحانه إليها سوقا جميلا دافئا عجيبا. بل ربّما وجد في بداية ذلك السّوق تردّدا منه أو خوفا. ثمّ ما لبث أن اطمأن إلى محطّته الجديدة وألفها كلّ الإلف حتّى إنّه ليتردّد في العود إلى ما سلف. خير تعبير في القرآن الكريم عن هذا القانون هو ما جرى للغلام الذي قتله صاحب موسى عليهما السّلام جميعا. وما فعله إلاّ بإذن من ربّه سبحانه. إذ قال تعقيبا على ذلك (وما فعلته عن أمري). ثمّ أخبرنا سبحانه ـ رحمة بنا ولطفا ـ أنّه فعل ذلك لأنّه يعلم أنّ ذلك الغلام لو عمّر لكان فرعونا سابقا لفرعون موسى الذي هو رمز الكفر والقهر سواء بسواء. وأنّه لو عاش لكان ويلا وثبورا على أبويه. وبذلك يجمع بين الكفر والقهر والعقوق. وهي كفيلة بالخلود في النّار. أليس هو مشهد بالصّوت والصّورة رأيناه وسمعناه وتعلّمنا منه أنّ الله سبحانه يعلم ونحن لا نعلم؟ بلى وربّ الكعبة. هل هناك بعد هذه القصّة زعم داحض أنّ الإنسان يأسى على ما فاته أو يموت كمدا على ما لم يغنم حتّى لو سعى إليه السّعي كلّه؟ ولكن ذلك لا ينفي الحزن الخفيف أو حتّى البكاء. ولكنّه لا يتحوّل إلى سخط على قضاء الله سبحانه أو رفض لقدره الغلاّب القاهر. هذا القانون (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) لكم يسكب في النّفس من رضى وطمأنينة وسعادة غامرة وسكينة أحلى من الشّهد المصفّى وأزلّ من الماء الزّلال في ظمأة القائلات اللاّظية. من سلّم لله سبحانه فيما يريد سكب في فؤاده من الرّضى ما به تغدو الحياة كلّها وبما فيها من وقعات وسخطات مرفأ دافئا. ولكنّ ذلك لا يعني عدم إعمال الإرادة البشرية أو إحلال التواكل بدل التوكّل أو القعود بدل المقاومة. لا . الأمران يسيران جنبا إلى جنب. ثمّ يقضي سبحانه ما يريد ابتلاء لعبده هل يرضى أم يسخط. حتّى عندما تخفق حركات مجاهدة لاستعادة وطن سليب أو مقاومة لاستعادة تحرّر وسيادة أو عندما لا يظفر امرئ بفؤاد امرأة أحبّها من سويداء قلبه أو بشهادة سهر لأجلها اللّيالي فإنّ ذلك يظلّ محكوما ـ لنيل الرّضى وطرد اليأس والكفر ـ بهذا القانون الغلاّب (والله يعلم وأنتم لا تعلمون). وسبحان من يعلم كلّ شيء

بقلم الشيخ: الهادي بريك

Posted on Leave a comment

ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي النّاس | من سنن الله في النّفس والحياة

 ورد هذا القانون في سورة الرّوم المكية. هو قانون عمرانيّ اجتماعي عامّ لا يخصّ قوما دون غيرهم ولا زمانا دون زمان. هو قانون صارم مطّرد يفرض سلطانه على المؤمنين وعلى الكافرين سواء بسواء. نصّ القانون هو (ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي النّاس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون). الفساد عادة ما يرد في الكتاب العزيز بمعنى العدوان على الإنسان أبشارا وأموالا وأعراضا. هو شبيه بما أسمته سورة المائدة المدنية حرابة. هذا مفهوم بسبب أنّ العدوان على الإنسان الذي أوكلت إليه مهمّة عمارة الأرض هو عدوان على إرادة الله نفسه سبحانه.

هو تعويق لوسيلة الإعمار ولغايتها كذلك. إهلاك الإنسان بغير حقّ وإهلاك حرثه وكسبه وتعويق حرّيته وتهديد حرمته وغير ذلك كلّه فساد بالمنطوق القرآنيّ. والحديث هنا عن ظهور الفساد أي تبرّجه وعلوّه وعمله بحرّية وإستعلان. الفساد لا يجتثّ من الأرض بالكلّية ولكنّ استعلاءه واستعلانه هو المشكلة بسبب أنّه يبثّ الخوف وينثر الفزع ويعوّق العمارة. ومن ذا تأسن الحياة. ولذلك جاء التّهديد في الحديث النّبويّ ضدّ المجاهرين بالفساد والمعاصي أكثر من الفاعلين لها مستترين. أمّا قوله (في البرّ والبحر) فالأغلب أنّه يقصد به علوّ ذلك الفساد وانتشاره. كمثل قوله مرّات كثيرات (ما بين أيديهم وما خلفهم) إذ المقصود هنا وهناك الشّمول وليس الجهة. إذ ليس هناك في المكان عدا البرّ أو البحر. وما يظنّ أنّه جوّ هو في الحقيقة برّ. لأنّه دائر في فلك القشرة المحيطة بالأرض. الباء هنا سببية ليكون أصل الكلام: بسبب ما كسبت أيدي النّاس. وهي جزائية كذلك ليكون المعنى : جزاء بما كسبت أيدي النّاس. ولم يتردّد القرآن الكريم في النّصّ على المقصد الأسنى من ظهور هذا الفساد الذي هو بسبب كسب النّاس أنفسهم وهو قوله سبحانه (ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون). إذ عندما يذوق النّاس عاقبة فسادهم ومرارة الفساد الذي أصابهم يكون ذلك رادعا لهم وزاجرا فتتحرّك فيهم إرادة الرّجوع إلى طريق الصّلاح.  وقوله (ليذيقهم) مجاز يغلب أن يكون نكاية. هو قانون صارم مطّرد يشكّل دورة حضارية متعاقبة قوامها أنّ الله سبحانه يرسل الرّسل لهداية النّاس. فإذا فاؤوا أغدق عليهم بالطّيبات. وإذا فسقوا أمدّ لهم في فسقهم واستدرجهم في فسادهم حتّى يكون ظاهرا مستعليا مستعلنا متوسّعا ليصيب مساحات واسعة منهم ويفرض عليهم حالات شديدة من الاختناق ممّا يدفع المصلحين منهم إلى مباشرة دورة إصلاحية جديدة في إثر النّبوّة.

ومن ذا يكون رجوع إلى الله سبحانه بسبب ما أذيقوا من ويلات الفساد المستعلن. وليس هذا خاصّا بالمسلمين. إذ تتعرّض الأمم الأخرى إلى مثل هذا. كما وقع في أوروبا قبل عقود طويلات. إذ عربدت الكنيسة المتحالفة مع رأس المال الفاجر والقيصرية الماجنة. فلمّا أضحى ذلك غير مطيق هرع المصلحون إلى الإصلاح. فكانت ثورة جاءت بحدود دنيا من كرامة الإنسان ولجم الكنيسة الغاشمة. فيما أظنّ سيكون مثل ذلك بشكل ما عندما تتقدّم دعوات المثلية الجنسية وإشاعة الحرّيات الجنسية غير منضبطة حتّى بقيود الفطرة ـ وليس الدّين ـ. أظنّ أنّ ما يحيق بالأسرة الأوربية اليوم مقدّمة لمثل ذلك. ذلك أنّ الأسرة محطّة من محطّات إنفاذ الله سبحانه لإرادته. فإذا تعرّضت تلك المحطّة إلى ما يشبه الفناء الكامل فإنّ فسادا ما سيظهر بما كسبت أيدي النّاس الذين تمرّدوا على وظائفهم الإنسانية وجبلاّتهم البشرية بما يدفعهم إلى مراجعة أنفسهم. من لطف الله سبحانه أنّه لا يدع النّاس في غمرة ـ حتّى بعد انقضاء زمن النّبوّات ـ بدون حدود. إذ ينذرهم بفساد مستعل مستعلن يحوّل حياتهم إلى جحيم بسبب ما اقترفت أيديهم ليذيقهم

غلوّهم وليهبّ المصلحون منهم إلى إنقاذ الحياة من ذلك الجحيم. وبما أنّ الدنيا دار عمل لا دار جزاء فإنّه سبحانه قال (ليذيقهم بعض الذي عملوا). بعضه فحسب. وهذا متوافق مع قوله سبحانه (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابّة).  والله أعلم

ومن كلّ شيء خلقنا زوجين

ورد هذا القانون في سورة الذاريات المكية (ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلّكم تذكّرون). وهو القانون ذاته الذي سار عليه نوح عليه السّلام وهو يملأ سفينته بزوجين من كلّ شيء. يسمّى قانون الزّوجية أو سنّة الازدواج. وله علاقة وطيدة بسنّة التنوّع أو الاختلاف الواردة في مواضع أخرى. أو ناموس التّعدّد. لا مشاحّة في المصطلح إذن. ناهيك أنّه سبحانه ـ وكما هو في اللّسان العربيّ القحّ ـ لم يؤنّث كلمة زوج. وذلك حتّى يكون التّطابق بين الزّوجين ـ سيما في الدّائرة الإنسانية ـ أكثر. فلا زوج بلا زوجه. ولا يكون الزّوج إلا بزوجه. المقصد الأسنى من هذا القانون هو الدّلالة العقلية المنطقية الصّارمة على أنّ كلّ شيء يتزوّج ويتعدّد ويتنوّع ويختلف إلاّ الله وحده سبحانه. فهو أحد فرد صمد ليس كمثله شيء. ذلك هو المقصد الأسنى. لأنّ الهدف الأعلى من القرآن الكريم هو تعريف النّاس كلّهم بربّهم الحقّ لإزالة كلّ صور الشّرك الغابرة والحاضرة. وإلاّ فإنّ العقل كفيل ـ بإذن ربّه سبحانه ـ بالكشف عن هذا القانون سيما عندما يتقدّم العلم وتنداح المعارف. ولكن بادر القرآن الكريم به خدمة لمقصده الأسنى. أي تعريف النّاس بربّهم الحقّ أنّه أحد فرد صمد لا تجري عليه ما يجري على الأشياء. ومن ذا يعظّمونه ويوحّدونه ويعبدونه عبادة خالصة. ولكن قليلا ما تجد من يثير هذا المقصد الأسنى من هذا القانون. إذ يذهب كلّهم تقريبا ـ إلا قليلا ـ إلى بيان منافع الزّوجية قانونا ومصالح الازدواج والتنوّع والتعدّد والاختلاف ناموسا. هذا مقصد ثان لا أوّل. هذا مقصد عمليّ لا عقديّ. هذا مقصد يمكن الكشف عنه عقلا. أمّا المقصد الأوّل فلا بدّ فيه من وحي سماويّ ثابت صحيح. خلق سبحانه كلّ شيء طرّا مطلقا ودون أيّ استثناء على أساس الزّوجية والازدواج الذي يعني القيم التّالية: قيمة الاشتراك في المصدرية الخلقية إذ كلّ شيء منه سبحانه. قيمة الاختلاف تنوّعا وتعدّدا وإزدواجا في بعض الوظائف والصّفات والأعراض.

قيمة التّكامل المراد من تعالج تينك القيمتين الأوليين. أي قيمة الاشتراك وقيمة الاختلاف. تلك هي أمّ الفلسفة الإسلامية في الوجود والكون والحياة. من يبدأ معرفته الإسلامية وفقهه النّظريّ من تلك البداية فلن يضلّ بإذن الله سبحانه. لأنّه أمسك بالبوصلة الفكرية العليا التي تبيّن له معاني الاختلاف ومعاني الاشتراك ومعاني التّكامل. ولكنّ الله سبحانه أراد قانون الاختلاف بغاية الابتلاء ولذلك قال سبحانه (ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة. ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم). هو شيّد كونه وخلقه واجتماع عباده على قانون الزّوجية بغرض الابتلاء والتّدافع بينهم حتّى يكون الكون كلّه حديقة غنّاء فيها كلّ الألوان والأصوات والرّوائح. إذ لو كان الأمر غير كذلك لما كان معنى للابتلاء والتّدافع. ولأسنت الحياة أسونا. ومات الفعل. هي حكمة بالغة. عدا أنّه قليل جدّا ـ ومن المسلمين أنفسهم إلاّ في أزمنة قليلة لا تكاد تذكر ـ من النّاس من يفقه هذا القانون حقّ الفقه. وأقلّ من أولئك هم من فقه القانون علميا ومعرفيا حقّ الفقه. ولكنّه في الممارسة يقترف أسوأها. إذ يتّجه في الاتجاه المضادّ لهذا القانون. القيمة العظمى التي يدندن حولها الكون كلّه شرقا وغربا وباسمها تذبح شعوب ذبحا وتسلخ أمم سلخا أي قيمة الدّيمقراطية لا مشروعية لها إلاّ من هذا القانون. لو كنّا نعلم. لا أمل في أن يكون المرء ـ بغضّ النّظر عن دينه ـ ديمقراطيا بمعنى أنّه يرعى الاختلاف ويعتبر التنوّع وينسجم معه بدون سحق ولا محق ولا حتّى ضيق حتّى يتشبّع بقيمة الازدواج تشبّعا معرفيا صحيحا ثمّ ينضبط لذلك انضباطا يحتاج إلى معركة هادرة مع نفسه الأمّارة بسوء الاستبداد واسترقاق الآخرين واستعبادهم. ولكن النّفاق جهنم هذه الحياة الدّنيا. فهو لا يدع مجالا لعقل أن يتعلّم أو لنفس أن تتهذّب. النّاس كلّهم وبغضّ النّظر عن دينهم بحاجة ماسّة مؤكّدة إلى حسن تمثل قانون الزّوجية علما وعملا معا. ويحتاج الأمر علما إلى دقائق معدودات. ولكنّه يحتاج إلى جبال من الصّبر لضبط النّفس عليه.

لن أتردّد يوما في القول أنّ المسلمين الذين هم أولى النّاس بهذا القانون الأعظم فشلوا فشلا ذريعا في تاريخهم وحاضرهم في استيعاب هذه السنّة. وخاصّة في تمثّلها عملا إلاّ في عقود قصيرات من بعد موته عليه السّلام. ومن ذا أوصى الإسلام بالتّعارف المتبادل المشترك بين النّاس المختلفين. وجعل اسم الأسرة زواجا. لأنّه تزاوج بين مشتركين في الأصل مختلفين في بعض الوظائف عملا وليكون من ذلك تكافل بين الزّوجين. فلا يطغى مشترك على مختلف. ولا يسطو مختلف على مشترك