Posted on Leave a comment

فن الخطابة | الإمام: محمد الطاهر بن عاشور

ما هي الخطابة؟

إن الخطابة وإن كانت فنًّا من فنون الإنشاء، وكانت القواعدُ المتقدمة والشروط المقررةُ مطردةً فيها لا محالة، غيرَ أنَّ صاحبها لما كان أشدَّ اعتمادًا على البَداهة والارتجال منه على الكتابة، تعيَّن أن يُذكَر لها من الضوابط والشروط ما لا يجري مثله في عموم صناعة الإنشاء، كما كان للشعر من الضوابط ما يختصُّ به عن الإنشاء، وإن كان هو في الأصل فنًّا من أفانينه.

ولقد رأينا من المتقدِّمين ممن ألَّف في صناعة الإنشاء لم يُعَرِّجوا على ذكر ما هو من خصائص الخطابة؛ حتى إنك لتجد شيئًا من قواعدها في خلال مطوَّلات كتب المنطق، ولا تجد ذلك في كتب الأدب، غيرَ أنَّ المناطقة خَصَّوها بضَرْبٍ من ضروب الحُجَّة، وهو ما يتركَّب من قياسات مظنونةٍ أو محمولَةٍ على الصِّدق، وأما المعنيُّ بها عند علماء الأدب فهو شامل لجميع أقسام الحجة؛ إذ الخطيب قد يأتي بجميعها وإن كان الغالبُ عليه بيانَ القياسات المظنونة؛ إذ هو لا يتعرض للقطعيَّات إلا عند الاحتجاج بها، ولا يتعرض للشعر والسَّفْسَطَة إلا نادرًا؛ لئلا يعرِّضَ نفسه للتكذيب أو الاستخفاف.

فيمكن أن نعرِّفها بأنها: كلامٌ يحاوَلُ به إقناعُ أصناف السامعين بصحَّة غَرَضٍ يقصِدُه المتكلِّم لفِعْلِه أو الانفعالِ به.

فقولنا: (كلام) خرجت به الرسائلُ العامة، والمكاتيب، والتقاليد الموجَّهة للبلدان، وشمل ذلك الكلام المنظوم والمنثور؛ إذ يجوز أن تشتمل الخطبةُ على نَظْم، أو يكون جلُّها نظمًا _كما سيأتي _.

وقولنا: (يحاول به إقناع أصناف السامعين) يخرجُ التدريس؛ فإنه كلامٌ يحاول به إقناع صِنْفٍ واحد من السامعين، وهم طلبة فنٍّ خاص في موضع خاص، ولا يُسمَّى ذلك في العرف خطابةً ولا صاحبُه خطيبًا، وإن كان له عونٌ كبيرٌ على مَلَكَة الخطابة، وتعلُّقٌ شديدٌ بأصولها. ويخرج ما يخاطَب به شخصٌ واحدٌ، كالمناظرات العلميَّة، ومُرَافعات الخصوم والوكلاء لدى القضاة؛ فإنها لا تُسمَّى خطابةً عرفًا، وإن كانت شديدةَ التعلُّقِ بقواعدها، وفي الحديث: “ولعلَّ بعضَكم يكون ألحنَ بحجَّتِه من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع”.

وقولنا: (بصحة غَرَضٍ يقصده المتكلم) نريد منه التعميمَ ليشمل كلَّ غرض تصَدَّى الخطيب لترويجه، سواء كان المراد حَمْلَ الناس على فعله، كالحثِّ على طلب العلم والجهاد، أم اعتقادَهم صوابَه كالخطبة في إرضاء الناس بأمر واقع، ويشمل ذلك الخطبَ التي يَرُدُّ بها الخطيبُ على الغير، أو يعتذرُ بها عن فعله أو فعل غيره، أم الكفَّ عن فِعْلٍ كالمواعظ وتسكين الثورات، أم تحصيلَ عِلْمِهم به كالخطب التي تُقَال على ألسنة الملوك والرؤساء لإعلامٍ بقانون أو فَتْحٍ أو نحو ذلك، ويشملُ ذلك

التعليمَ الذي يتعرَّضُ له الخطيب، مثل الخطب الدينية التي يُتعرَّضُ فيها لتعليم بعضِ الواجبات، فإنَّها لا تُتَلَقَّى بوصف قواعدَ علميَّة، ولكن بوصف تعليماتٍ عامَّةٍ تستوي فيها الناس، أو بوصف التنبيه على تركها وإهمالِها، وبهذا الاعتبار تصيرُ غرضًا للمتكلِّم يحاولُ الإقناعَ بصحته.

ويخرجُ بها ما يُقرأ على المنابر من عقود البيعات السُّلطانية ونحوها، كالتقاليد فلا تُسمَّى خُطبًا، وإنما القصد من ذلك إشهارُها وإعلانُها.

وقولنا: (لفِعْلِه أو الانفعالِ به) إشارةٌ إلى غاية الخطيب من الخَطابة، وهي إما فعل المخاطبين شيئًا يريده أو اعتقادهم شيئًا يُعلِمُهم إيَّاه. وقد انطبق التعريف على المعرَّف.

[منافع الخطابة]

إن الخطابة ركنٌ عظيمٌ من آداب الاجتماع البشري، فبها يحصل تهذيب الجمهور وحملُهم على ما فيه صلاحهم، وتسكين جَأْشِهم عند الرَّوْع، وبثُّ حماسهم عند اللقاء، وبها تحصل مُحَاجَّة المموِّهين عليهم والمعنِّتين لهم؛ إذ الجمهور إنما يتألف من أفرادٍ لا تبلغ عقولُهم بسرعةٍ إلى إدراك البراهين النظرية، ولا تهتدي من تِلقاء نفسها إلى الغايات الحقيقية، فناسب أن يُعدَل عند خطابهم إلى الأمور الإقناعية، وهي المشهورات الموصِّلة إلى ما يوصِّل له البرهان ولو خالفته في الطريق، وقد يخاطِب الخطيب قومًا من الخاصة إلا أن المَقام يكون نابيًا عن سلوك طريقة البرهان، إما لقِصَر الوقت واحتياج البرهان إلى طُولٍ، وإما لأنَّ في البرهان خَفَاءً وتدقيقًا وتفاوتًا في قَبول الناس له، أو مُكَابرةً في الاعتقاد فيُصَار إلى الإقناعيات والتمثيلات والمسلَّمات لتُمْكِنَ

معارضة الخصم الألدِّ وإيقاظ الغالط الغافل، فلذلك كان الخطيب في حاجةٍ إلى معرفة محاسن الأشياء وأضدادها ليتوسَّل بذلك إلى مناقضة ضَالٍّ مروِّج أو إرشاد جاهل غيرِ متيقِّن. وحسبك من منفعة الخطابة أن الله تعالى شرع لنا الخطبة عند كلِّ اجتماع مهم من جُمُعة وعيد وحج، وذلك أنَّ النُّفوس تميل في طِباعها لمتابعة الشهوات وتتجهَّم الاتِّباع لمقتضى الأخلاق الفاضلة، فإذا لم تتكرر عليها الدعوة إلى الفضائل بالخطب غلبت عليها أضداد الفضائل والعدالة، وليس كلُّ صِنْفٍ من أصناف الناس بصالحٍ لتلقِّي ذلك وحدَه من مطاوي كتب التهذيب وأوراق الحكمة، ولا كلُّ صالحٍ لذلك بفاعلٍ، فلا جَرَم وجبَ التذكير عند المجتمعات العامَّة لأنها تحشُر أصناف الناس.

ولقد كان الشعرُ أغلبَ على العرب، وكان الشاعر مُقدَّمًا عندهم على الخطيب في الجاهلية -كما قال أبو عمرو بن العلاء- لفَرْط حاجتهم حينئذٍ إلى الشعر الذي يُقيِّد عليهم مآثرهم، ويفخِّم شأنهم، ويُهَوِّل على عدوِّهم، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مَكسِبةً وتسرَّعوا به إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، ومع ذلك فلم يُحفظ من خُطَبهم شيءٌ كثيرٌ؛ لأنَّ الشعر كان أسرعَ إلى الحفظ وأعلق بالذهن، ولما جاء الإسلام وتأسَّس الدينُ ارتفع شأن الخطابة، وقُيِّدت آثارُها بشيوع الكتابة.

[أصول الخطابة]

اعلم أن أصول الخطابة من حيث إنها كلامٌ مُنشَأ لا تفارق الأحوالَ الثلاثة التي شرحناها في كيفية إنشاء المعنى من القسم الأول في الإنشاء، وهي: المعنى الأصلي، وتفصيله، وإيضاحه، المشار إليها بقول ابن المعتز: “البلاغة: أن تغوصَ لحظةُ القلب في أعماق الفِكْر، وتجمعَ بين ما غاب وحَضَر، ثم يعود القلبُ على ما أَعمَلَ فيه الفِكْرَ فَيُحكِمُ سياق المعاني، ويُحسِن تنضيدَها، ثم يبديها بألفاظٍ رشيقةٍ مع تزيين مَعارِضِهَا، واستكمال محاسنِها”.

وكل ذلك محتاجٌ إلى طبع سليم، فقد قال أبو داود بن جرير: “رأس الخطابة الطبع”، =ولكن الذي يختلف هو كيفية التفصيل والتنسيق، وكيفيةُ الإيضاح والتعبير، فأما كيفية التفصيل فسيأتي جلُّها في معرفة أركان الخطبة، وأما كيفية التنسيق فهو في الخطابة: أن يتمكن الخطيب من الموضوع الذي يتصدَّى للتكلُّم فيه، ويجمعَ أصولَه ويستحضر غايته والغرضَ الذي يرمي إليه، ويتصوَّر ذلك بوجه مجمل،

ثم يأخذ في تفريعه قبل التكلُّم لكيلا يُرْتَجَ عند الشروع، ثم إنه يُحسِن ربطه ويناسب في الانتقال لكيلا يَشِذَّ عليه وقتَ الاشتغال بالتكلم بعضُ ما كان أعدَّه، فإن لوقت التكلم ضيقًا غيرَ ما يكون من السَّعَة في حال التفكر، فإذا أَخَذ بعضُ المعاني بأيدي بعض، وحَسُن رَبْطُ بعضه ببعض، كان أسهلَ استحضارًا وأقربَ تناولاً للسامع والناقل؛ لأنَّ بعضه يُذَكِّر ببعض، ومن هذا ما يُعبَّر عنه بـ (حُسْن التخلُّص)، ثم يَعقُب ذلك تقريرُ المعنى -على حسب ما تقدم في نقد المعاني- ثم الاستدلال عليه، وذلك لا يعسُر على الخطيب إن هو أحسن تنسيقَ أصول خطبته؛ لأنه يتمكَّن منها كمال التمكُّن.

ثم إن الخطيب لا يستغني عن الاستكثار من استحضار معانٍ صالحة في أغراض شتَّى يحتاج إليها في الاستدلال على فضل شيء أو ضدِّه؛ لتكون له عونًا عند الاندفاع في الخطابة، وتخفيفًا عن ذهنه من شدة التحضير، ولأنَّه إن لم ينفتح له بابُ القول في غَرَضٍ ارتجاليٍّ يأخذْ من تلك المعاني ما يدفع عنه عيبَ الإرْتَاج والحُبْسَة، وقد روي أن عثمان – رضي الله عنه – لما قام عندما بويع بالخلافة أُرتِجَ عليه فقال: “أما بعد، فإنَّ لكل قادمٍ دهشةً، وأنتم إلى إمامٍ فعَّال أحوجُ منكم إلى إمامٍ قوَّال، وإن أَعِشْ فستأتيكم الخطبُ على وجهها”. وكذلك روي أن داود بن علي قام للخطبة، فلما قال: (أما بعد) أُرتِجَ عليه فقال: “أما بعد، فقد يجِدُ المُعسِرُ، ويُعسِرُ الموسِرُ، ويُفَلُّ الحديد، وإنما الكلام بعد الإفحام

كالإشراق بعد الظلام. وقد يَعزُب البيان، ويَعتَقِمُ الصَّوابُ، وإنما اللسان مُضْغَةٌ من الإنسان، يَفْتُر بفتوره إذا نَكَل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنَّا لا ننطِق بَطَرًا، ولا نَسكتُ حَصَرًا، بل نسكت معتبرين، وننطِقُ مرشِدين، ونحن بعد ذلك أُمَرَاءُ القولِ، فينَا وَشَجَت أعراقُه، وعلينا عَطَفَتْ أغصانُه، ولنا تهَدَّلتْ ثمرتُه، فنتخيَّرُ منه ما احْلَوْلَى وعَذُب، ونَطِّرِحُ منه ما امْلَوْلَح وخَبُثَ، ومِنْ بعدِ مقامِنا هذا مَقام، ومِنْ بعد يومنا أيام”. فبذلك كان في إرتاجه أبلغَ منه في ارتجاله، ولولا أن هذه المعاني كانت حاضرةً في ذهنه حتى صار بها خطيبًا في بيان أحوال الخطيب لسكت وحُبِسَ لسانُه.

ولا بد للخطيب من التنبُّه إلى مواقع النقد والاعتراض، وهي الأشياء التي يظنُّ أنَّ في السامعين من ينكرها؛ لمخالفة اعتقادٍ أو مخالفة هوى، فيَعُدُّ ذِهْنَه للجواب عنها، وقد قيل: إنَّ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كان قد أعدَّ لكل حادثةٍ جوابًا. وسيأتي بيانٌ لذلك في الكلام على الخطيب.

وأما كيفية الإيضاح والتعبير فقد قال أبو هلال العسكري: “الرسائل والخطب مُتشَاكِلَتَان في أنهما كلامٌ لا يلحقه وَزْنٌ ولا تَقْفِيَة،

وكذلك من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظُ الخطب تشبه ألفاظ الكِتَاب في السهولة والعذوبة، وكذلك فواصل الخطبة مثلُ فواصل الرسائل، والفرق بينهما أن الخطبة يُشافَه بها بخلاف الرسالة”. وقال في الباب الرابع: “أجناس الكلام ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشِّعْر، وكلُّها تحتاج إلى حُسْن التأليف وجودة التركيب”. وعليه فكل ما قررناه في قسمي الإنشاء المعنوي واللفظي يجري بعينه ها هنا. ولم نزل نرى الخطابة والكتابة يجريان على سَنَنٍ واحد في اللهجة، ويتلوَّنَان تبعًا لأذواق العصور المختلفة بلونٍ واحدٍ، إلا أنه لا بد لنا من إيضاح الفرق بين الرسالة والخطبة الذي أشار له أبو هلال بقوله: “الفرق بينهما أنَّ الخطبة يُشَافَه بها بخلاف الرسالة” لكيلا يَظُنَّ الواقفُ عليه أن ذلك قُصَارى الفَرْق، وإنما هو يَنْبُوعُ فروقٍ كثيرة؛ إذ لا يخلو حال الكلام المشافَه به من مخالفةٍ لحال الكلام المكتوب المبعوث به، وقد حَضَر لنا من ذلك فروقٌ كثيرة:

أحدها: أن الخطابة يشافَه بها جمعٌ من الناس، فهي من هذا الوجه أولى باستعمال الألفاظ السهلة التناول للجمهور، مع بَسَاطة المعاني وقلة تركيبها والإغراب فيها.

ثانيه: أنها لذلك يجب أن تكون جُمَلها شديدةَ الارتباط قريبةَ التآخي، بحيث لا يحسُن فيها تطويلُ الاستطراد ولا بُعْدُ مَعَاد الضمائر والإشارات ونحوها؛ إذ ليس لذهن سامعِها من التمكُّن في التفهم ما لذهن قارئ الرسالة.

ثالثها: أن السجع الذي هو فنٌّ من فنون الإنشاء لا يحسُن كلَّ

الحُسْنِ في الخطابة، خصوصًا الخطابة التي تُقَال لجماهير الناس وعامتهم؛ لأنَّ السجع لا يخلو عن تكلُّف ألفاظٍ تحجُب ذهن السامعين عن كمال فَهْم المعاني، فإن اغتُفِر فيها السجعُ فإنما هو ما يقع عَفْوًا بلا تكلُّف، أي السجع الذي يطلبُ المتكلِّمَ لا الذي يطلبُه المتكلِّمُ.

رابعها: أن الخطابة لَمَّا كان شأنَها الارتجالُ -ولو كانت مُحَضَّرةً أو مُنقَّحَةً، فينبغي أن تكون صورتُها صورةَ الارتجال- فلذلك كانت جديرةً بطرح كلِّ ما تُشَمُّ منه رائحةُ التصنُّع. نعم، لا نجهل أنَّ الخطابة ضَعُف التَّبْريزُ فيها من أواسط القرن الخامس شيئًا فشيئًا، وصارت الخُطَب مهيَّئةً من قَبْل إلقائِها، وصار الخطباءُ يلقونَها من الأوراق فمالوا فيها إلى المحسِّنات اللفظية التي غلبت على إنشاء تلك العصور فما دونها، إلا أنَّ تَكاثُرَ ذلك لم يَحُلْ بصاحب الذوق السليم مِنْ أن تُخَالجه السَّمَاجةُ عند سماعها، وهذا هو الذي أيقنَنَا بأنَّ كثيرًا من الخُطَب المنسوبة لسيِّدنا عليٍّ – رضي الله عنه – في كتاب (نهج البلاغة) هي من موضوعات أدباء الشيعة، وإن شئتَ مثالاً لهذا وذاك فدونك الخطبَ النبوية

وخطب فصحاء العرب، ثم انظر الخطب المنبرية المجموعة في الدواوين كخطب ابن نباتة، والخطب التي تضَمَّنَتْهَا المقاماتُ الحريريَّة.

ولتمام الاستعانة على التنسيق والتعبير اللذين هما ملاك أصول الخطابة تعيَّن على الخطيب التملِّي من رواية أقوال الخطباء؛ فإنَّ في ذلك معرفةً لمعانٍ جامعةٍ وألفاظ بارعةٍ، وقد نقل الجاحظُ عن أبي داود بن جرير أنه قال: “رأسُ الخطابة الطَّبْعُ، وعَمودُها الدُّرْبَة، وجَنَاحاها روايةُ الكلام”. وذلك ليعتادَ سهولةَ التعبير.

كما لا غُنْيَة للخطيب عن معرفة أحوالِ الأمم ومحامِدهم ومَذَامِّهم؛ فإن ذلك مما يعرِض للخطيب، ويُعِينُه على التكلُّم في المجامع؛ ليأخذ من ذلك أمثالاً صالحةً أو تحذيراتٍ نافعةً، ولأنه يستعين به على تأييد أنصارِه أو الحَطِّ من أعدائهم، وقد حَضَر الخطيبُ خالد بن صفوان الأهتمي بمجلس أبي العباس السَّفَّاح، ففخر عليه ناسٌ من بَلْحارث بن كعب، وأكثروا في القول، فقال له السَّفَّاح: مالك لا تتكلم؟ فقال له: أخوالُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال له: فأنتم أعمامُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال خالد حينئذٍ: وما عسى أن أقول لقومٍ كانوا بين نَاسِجِ بُرْد، ودَابغِ جِلْد، وسَائِسِ قِرْد، وراكب عَرْدٍ (الحمار)، دَلَّ عليهم هدهد، وغَرَّقَتْهُم فأرة، ومَلَكتهم امرأة”. أشار إلى أنهم من بقايا سَبَأ. وقد قال فيه مَكِّيُّ بن سَوَادَة -الشاعر، وجَمَع في شِعْره ما يلزمُ الخطيب-:

عَليمٌ بتنزيلِ الكلامِ مُلَقَّنُ … ذَكُورٌ لِمَا سَدَّاهُ أوَّلَ أوَّلا

يَبُذُّ قَريعَ القومِ في كلِّ مَحْفِلٍ … وإن كان سحبانَ الخطيبَ ودَغْفَلا

ترى خُطَباءَ القومِ يومَ ارتجاله … كأنَّهمُ الكِرْوانُ عايَنَّ أجْدَلا

وكذلك معرفة ما يكثرُ الدعاء إليه مثل منافع المَدَنِيَّة ومنافع التعليم، ومثل استحضار الخطيب السِّيَاسيِّ لعلائق الأمم وتواريخ حوادثها، ولذِكْرِ مفاخر أمته ودولتها، واستحضار ما يَذُبُّ به عن سياستِه ممن يَنتقِدُهَا.

من كتاب: أصول الخطابة والإنشاء

بقلم: محمد الطاهر ابن عاشور (1296 – 1393 هـ = 1879 – 1973 م) رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس.

Posted on Leave a comment

ما أكثر القول وأقل العمل – الإمام محمد عبده

إن من أخس الأوصاف وأدناها أن يقول الإنسان ما لا يفعل، وأن يدل غيره على ما ضل عنه، وأن يعيد على الناس ما لا يعيبه هو على نفسه، وذلك أن من كانت هذه صفته فهو جاهل من وجه، ومعترف بنقصه من وجه آخر، وخبيث المقصد دنيء الهمة من الوجه الثالث، أما جهله فلا أنه ادعى بما ليس فيه من علم أو فضل، مع كون الناس لا يرون أثرا ظاهرا لعلمه أو فضله، بمعنى أنه لم يؤلف تأليفا نفيسا مثلا ينتفع به عموم الناس، ويعترف بنفاسة ما فيه العقلاء والمتبصرون من أي أمة، ولم يكشف حقيقة، ولم يحل حقيقة، واعتقد أن سامعيه يصدقونه فيما يدعيه، فقد جهل أن النفوس مجبولة على تطبيق المسموعات على المشاهدات وواقع الأمر، فإن لم تجدها مطابقة رمت بها في وجه قائلها، فتقلب دعواه مقتا عليه، ويسقط من قلب الناس أجمعين، إذ لم يروا له أثرا يفيدهم سوى أنه يخبر عن نفسه بأوصاف لا حقيقة لها، وكذلك إذا أرشد إلى غاية هو متوجه صوب ضدها، ويظن أن الناس يسترشدون بإرشاده فهو لا محالة مطبق الغفلة مركب الجهل، إذ لا يعلم أن الأفعال تؤثر ف بالنفوس أضعاف ما تؤثر الأقوال، فإن القول عند النفس يحتمل التصديق والتكذيب، فتتردد في مفهومه، فلا يقودها إلى العمل إلا بعد تكرار وتذكار، أما الفعل فهو أمر مشهور ينطبع في النفس أشد انطباع، فتندفع إليه خصوصا إن كانت فيه لذة معجلة، وإن عاب على غيره وصفا هو موجود فيه فقد جهل أن ذكره لعيب الغير ينبه الأذهان للنقص القائم بنفسه، فإن المتكبر مثلا إذا ذم الكبر في غيره فقد ذم في نفسه من حيث لا يشعر، فهو جاهل بنفسه وبما يعود عليها وهو ظاهر.

وأما اعترافه بنقصه وعجزه فلأنه لم يصدر منه ذلك ـ أي الدعوي بما ليس فيه وترغيب الناس فيما لا يرغبه لنفسه أي فيما ليس بمتصف به بل هو منحرف عنه وذكره لمثالب الغير وهي فيه ـ إلا لأجل أن يبين للسامعين كماله وفضله، ويظهر لهم وصوله لما يهديهم إليه، وخلوه من النقص الذي يلوم عليه الغير، حتى يعظموه، ويقوموا له بقضاء بعض حاجاته، حيث علم أن الكمال الذي يدعيه هو مناط التعظيم وجلب المنافع، وكأنه بذلك ينادي على نفسه بأنه لم يبلغ من ذلك شيئا، لأنه لو بلغ الكمال الذي يدعيه لكانت نتائج ذلك الكمال ناطقة برفعة قدره، شاهدة بعلو مقامه، سواء ادعي ذلك عن نفسه أو لم يدع، وسواء غيره أو كمل، ولم يكن هناك داع لمحه لنفسه أو ذمه لغيره، بل تكون آثار فضله فاعلة في النفوس، جاذبة لها إليه بذاتها، فمن تكلف الإطراء على نفسه بوصف من الأوصاف الفاضلة، أو رام إظهار كماله بالحط من قدر غيره، فذاك معترف بأنه خال من الفضيلة، حيث لم تشهد له الحقيقة فاضطر إلى النداء بالكذب، ليقنع السامعين بأنه كذلك.

وأما خبث مقصده ودناءة همته، فلأن من هذه صفته لا يريد أن يكون ذا فضيلة قط، ولا يبتغي الوصول إلى كمال، ولكنه يطلب عيشا حيثما اتفق، فإذا جلس إلى بعض البسطاء أو غيرهم طلب التلبيس على عقولهم، ليقرر في نفوسهم انه بالصفة التي يذكرها عن نفسه، أو يرشد إليها، وأنه خال من العيب الذي يسب به غيره، ليوقروه فيكتسب منهم مساعدة على بعض أغراضه الخسيسة، أو يستفيد منهم حطاما يسد به بابا من أبواب نهمته وشرهه، فهو في ذلك بمنزلة المتشعبذين أو المختلسين أو السارقين، ونحو ذلك من كل ذي حيلة خسيسة لجلب الأموال، ولا يختلف عن هؤلاء إلا بالاسم فقط، حيث يقال إنه غش الناس بحكاية الكذب عن نفسه، وهو المسمى في عرفنا (بالفشر ويقال لصاحبه فشار).

فالقول الذي لا يعضده الفعل يحسب من أردأ الأوصاف وأقبحها؛ لأنه يشعر بوجود أوصاف تشهد البداهة بقبحها، ومن الأسف أن الوصف يوجد في كثير من أهالي بلادنا، بل في الغالب منهم، بل لا يوجد القائل الفاعل إلا قليلا جدا (وإننا نخجل من تسجيل مثل ذلك في الجرائد، ولكن أي فائدة في إخفاء عيب فينا عرفه الغير منا، فحق علينا أن نذكر به لعلها تنفع الذكرى).

إننا إن طرقنا المجالس الخصوصية في بواطن البيوت، والأندية العمومية في الأماكن العامة، لا نعدم قائلا عن نفسه: إنه قرأ من العلوم معقولها ومنقولها، وطالع الكتب العالية، ووقف على المباحث الجليلة وكشف بواطن الدقائق الخفية، واستطلع الأسرار، وكان مع ذلك مشهورا في زمن الاشتغال بالفطنة والذكاء، وتوقد الفكر وقوة الحافظة ونحو ذلك، وآخر يقول: إنه بلغ من الاقتدار على الإقناع في الجدل والإفحام عند المخاصمة، وتفهيم الطالب عند الاستفادة، حدا لا يصل العالمون إلى غباره، وإن له من طريق الإقناع والإفهام ما لا يتيسر لغيره معرفتها، وإنه يحيي بكلامه الأذهان الميتة، ويحشر إليها صور المعلومات، ويودع فيها أسرار الكائنات، ولو سألت كل واحد من الذين يظن فيهم وصف العلم والتعليم لرأيته يحدث عن ذاته بكل الذي قلناه، ويقول: لو كان الناس يسلكون هذا المسلم الذي أسلكه لانتشر العلم وعمت المعرفة.

لكننا إذا رجعنا إلى الواقع ونفس الأمر، رأينا أن التآليف والتصانيف مفقودة، وإن وجد منها شيء كان ناقصا، إما من جهة المعنى وإما من جهة اللفظ، بحيث لا تدل عبارته عل يما قصد منها، فيكون كعدمه، والطالبون للعلوم على اختلافهم قاصرون عن إدراك ما أضاعوا عمرهم فيه، ودليلنا على ذلك احتياجهم دائما إلى غيرهم، وعدم قدرتهم على الاستقلال بعمل يعملونه في نفس العلم أو الصناعة التي تعلموها، فتارة يحتاجون إلى الأجانب، وأخري إلى بعض الوطنيين ـ (وربما نبين هذه الجملة في وقت آخر).

ومن الناس من إذا ذاكرته في المنافع العامة والمصالح الكلية أخذ يشرح غوامضها، ويبين الواجب فيها، والطرق الموصلة إلى جلب المنافع ورفع الضار، والوسائل المؤدية إلى تقويم حال الأمم وارتفاع شأنها، من رفع منار العدالة، وبث روح العلم وتقرير المساواة وما شاكل ذلك، ثم إذا فوض إليه أمر من تلك المصالح رأيته أبعد الناس عن الخير وأقربهم إلى الشر، واستنكف عن المساواة، واستهجن معني العدالة، وإن كان يعبر عن نفسه بلفظها، وسار مع أغراضها وشهواته، وجعلها قانونا يتبع، ويعد كل ذلك حقا، وهو في درجة وعظه الأولي لم يخجل ولم يتلعثم له لسان في النصح ودعوي معرفة الحق، ولو أن أحدا عارضه بحق في أي جزئية عقب ترغيبه في قبول النصح والمساواة لرأيته يتذمر ويتضجر، ويود أن يفتك بمن يناقضه في بعض آرائه ويهدي نصحا في بعض أعماله.

ومنهم من يقول إن كل مصيبة ألمت بالنوع الإنساني لم يكن منشؤها إلا التباغض والتحاسد، وتفرق الكلمة، والميل إلى المنافع الشخصية، وعدم الاكتراث بمنافع العامة، ونحو ذلك من الأقوال الصحيحة المسلمة، ولو أنك لاقيت كل يوم ألف شخص لرأيته يقر بذلك ويعترف به، مدعيا أنه يميل كل الميل إلى الاتحاد والائتلاف، وإنما تأتي النفرة من غيره، ثم لو أتي إليه مطالب بحق في وقت المذاكرة لرأيته يعد هذه المطالبة أمرا كبيرا، وإن كانت بغاية من اللطف والإنسانية، والتوى من الغيظ التواء الثعبان، ولو دعي إلى إغاثة ملهوف، أو إزالة مكروه عن بعض إخوانه الداخلين تحت إمرته، رأيته يتعالى ويتعذر أو يتمنع ويستكبر ويقول: ليس هذا من خصائصي، ولو طلب إلى تأسيس أمر خير يفيد الزراعة أو الصناعة، أو يساعد على التربية الحقة، يستصغر ذلك ويسفه آراء طالبيه، ويقول: ماذا يعود على شخصي من ذلك؟ وما لي وللعامة؟ دعهم في شأنهم يرزقهم الله من غيري!! كأن جنابه يظن أن المحبة والاجتماع والألفة التي يدعيها ويميل إليها يجب أن تكون له من العير، لا في مقابل منفعة، ولا جزاء لدفع مضرة، بل لابد أن ينفعه الناس وهو لا ينفعهم، وما أجهل أمثال هؤلاء السفهاء وأضل رأيهم ـ (ومن العجيب أنهم كثير جدا).

ومنهم من ينتقد على الظلمة ومرتكبي الجرائم وفاسدي الإداري وسيئ التدبير، ثم تراهم واقعين فيما ينتقدون على الغير، كأن محل الانتقاد أن يكون الفعل صادرا عن سواهم ذكرتهم لا يعرفون في العالم قبيحا ولا حسنا، ولا صحيحا ولا فاسدا، وإنما هي ألفاظ ورثوها نطقا ولم يتفهموها حق الفهم، وألفوا استعمالها في مواقع مخصوصة، فهم يستعملونها كما سمعوها بدون أن يعلموا حقيقة أو يقفوا لها على مرمى، وحقيقة أمرهم أنهم جهلاء أنذال عديمو الشرف الإنساني حقيقة، ووجودهم في الهيئة الاجتماعية شؤم عليها، وهم في رتبة الحيوانية الأولي، لا يعترفون بالحقائق الثابت، بل لا يرون حسنا إلا ما يصل إلى إحساساتهم الظاهرة من اللذائذ الوقتية، فإذا مضي وقتها ذهلت أذهانهم عنها، ولا ينتهون لحسنها إلا إذا وردت عليهم مرة أخري، وهكذا ولا يرون قبيحا إلا ما يصل إلى إدراكاتهم من المؤلفات الوقتية، فإذا زال ألمها غفلوا عنها كأنها لم تمسهم، فإن رأوها لاحقة بغيرهم لم يعدوها مؤلمة، ولم ينظروا إليها نظر الآسف المستنكر، فيختلف عندهم حس الشيء وقبحه بالإضافة إلى أنفسهم تارة وإلى غيرهم تارة أخرى، وليس عندهم صورة ثابتة لماهية الحسن وماهية القبيح، ولا حقيقة النافع أو حقيقة الضار، وإنما هي أهواؤهم يعبرون عنها بالألفاظ المصطنعة، كالمصلحة العامة، والمنفعة العمومية، والحقوق الوطنية، وما شاكل ذلك فهم لا يسلمون من شر ما يقولون وما يفعلون، فجهلهم لا محالة يعود عليهم بعاقبة بئس العاقبة.

ولكنا لا نحب ذلك، ونود أن يكون الفعل أكثر من القول، وأن يكون كل شخص من أبناء بلادنا – صغيرا كان أم كبيرا – مجدا في نيل الفضيلة الثابتة، التي يلهج بتحسينها وإجراء مقتضاها، حتى تكون بذاتها شاهدا عدلا على أهلية صاحبها لما يقول، وتنشر الأعمال الصالحة المنطبقة على الشرائع والقوانين، فتسير المصالح على صراط مستقيم، وينال كل شخص حظه الحقيقي من ثمرت أتعابه الآتية على وجه منتظم، فيعود بالنفع على العامة والخاصة، أما الفخفخة وكثرة اللغو فإنها من شدة العجز لا تعيد ولا تبدي، وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخري عند الفرصة إن شاء الله

بقلم: الإمام محمد عبده

مجلّة المنار: العدد (9) تاريخ الإصدار 17 مايو 1898

Posted on Leave a comment

من فقه خطيب الجمعة

يقول صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لسِحْرًا”. رواه مسلم.
وقد اتفق علماء الأمة قديما وحديثا على أن من علامات فقه الخطيب أن يطيل في الصلاة ويقصر في الخطبة ويوصل المقصود بأبلغ عبارة وهنا أمور أربعة:


أولها: إن المقصود بالخطبة هو إيصال فكرة أو مجموعة أفكار بطريقة بيانية واضحة ومبهرة ومختصرة ومتسلسلة ومركزة وساحرة كما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث فهو أدعى لقبول الناس لها وعدم نسيانها بسبب الكلام والتطويل الكثير.
وثانيها: وهذه من عجائب فقه العبادات في الإسلام أن تكون الصلاة أطول من الخطبة ومن المعلوم أن أطول ما في الصلاة هو القيام وأن ركن القيام هو موضع تلاوة القرآن وهذا يدل على أن الشرع يريد من المسلم أن يكثر من سماع القرآن في الجمعة لخصوصيتها فكما يكون التذكير بالكلام والموعظة في الخطبة كل أسبوع يكون هناك تلاوة مميزة للقرآن في النهار كل أسبوع أيضا ومن لم يتعظ بالقرآن فقد لا يكون له من كلام الخطيب واعظ.
وثالثها: إن الخطبة لا تكون قصيرة مخلة ولا طويلة مملة ويستثنى من ذلك طول الخطبة عند الحاجة لبيان أمر يقتضي التطويل من نازلة أو ازمة أو بيان لشيء مبهم كما إن المقصود بتطويل الصلاة ليس التطويل المفرط الذي لا يراعي المريض والضعيف وذا الحاجة لكنه تطويل مقدور عليه.
ورابعها: إن كل ذلك يحتاج في تطبيقه إلى تدرج وحكمة من الخطيب بحسب المدينة والحي ومستوى المصلين ويسبق كل ذلك توعية شرعية كافية بالموضوع.