Posted on Leave a comment

مراد هوفمان.. لمحاتٌ من حياته وأضواءٌ على أفكاره

مراد هوفمان.. لمحاتٌ من حياته وأضواءٌ على أفكاره

مساء الأحد الثاني عشر من يناير 2020م رحل عن عالمنا الدبلوماسي والمفكر الدكتور/ مراد هوفمان رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وهوفمان ألماني مسلم ولد سنة 1931م ، وتحصل على الدكتوراة في القانون من جامعة هارفارد، وأتقن اللغات: الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، وأسلم سنة 1980م، وعمل كخبير في مجال الدفاع النووي في وزارة الخارجية الألمانية، ثم مديرًا لقسم المعلومات في حلف الناتو في بروكسل من عام 1983 حتى 1987م، ثم سفيرًا لألمانيا في الجزائر من 1987 حتى 1990م، ثم سفيرًا في المغرب من 1990م حتى 1994م. له عددٌ من المؤلفات خاطب به المجتمع الغربي معرِّفا ومدافعاً عن الإسلام، كما خاطب ببعضها جماهير المسلمين، ومن أهمها: الإسلام كبديل، الإسلام في الألفية الثالثة ديانةٌ في صعود، خواء الذات والأدمغة المستعمرة، يوميات ألماني مسلم، ورحلة إلى مكة، وترجمت أغلبها إلى العربية والإنجليزية، وكتاباته تتسم بالعمق والوضوح، وفهم الإسلام والغرب، وقد أبدع في حسن عرض الإسلام للأوروبيين، ونجح في إظهار القيم المشتركة بين الإسلام كدين عالمي والحضارات الأخرى، لكنه للأسف لم يُقرأ له بالقدر الذي يتناسب مع نتاجه الفكري.

بداية الهداية
أثناء عمل هوفمان بالجزائر في عامي 1961/1962م، عايش فترة من حرب استمرت ثماني سنوات بين قوات الاحتلال الفرنسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، ولاحظ مدى تحمل الجزائريين لآلامهم، والتزامهم بالصوم في شهر رمضان، ويقينهم بأنهم سينتصرون، وسلوكهم الإنساني وسط ما يعانون من آلام، وأن الباعث لهم في كل ذلك هو الإسلام، وتيقن هوفمان من إنسانية الجزائريين المطلقة عندما تعرضت زوجته للإجهاض وواجهت الموت بسبب عدم تمكن سيارة الإسعاف من الوصول إليها لظروف الحرب، فاتجه هوفمان بها إلى عيادة خاصة، وأنقذ حياتها سائقه الجزائري بالتبرع بدمه لامرأة أجنبية غير مسلمة. وهذا يؤكد على تلك الحقيقة القرآنية: قل إن الهدى هدى الله؛ فظاهرياً مشهد المقاومة الجزائرية للمستعمر لا يوحي بشيء يدفع للتفكير في الإيمان، لكنه وقع مع هوفمان، ما يعني أن المسلمين في مجموعهم لو أرادوا الدعوة إلى الإسلام فما عليهم إلا التمسك به وتجسيده في سلوكهم وأخلاقهم، تماماً كما قال هوفمان عندما سئل: كيف ندعو للإسلام؟ قال: عندما نمارسه.

الآية التي زلزلت هوفمان وعمَّقت إيمانه
وبدأ هوفمان يقرأ القرآن بتمعن وتدبر فتأثر به، لكن آية في القرآن أذهلته وقادته إلى الإيمان الحق، وهي قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)} [الأنعام: 164] وقد فهمها أول الأمر خطأ؛ لأنه اعتقد أنها غير أخلاقية لأنه يجب مساعدة الناس لبعضهم، وبعد مزيد تأمل توصل إلى أنها تؤكد على حقيقتين مهمتين: الأولى: أن كلا من الرجال والنساء سيواجهون ربهم وخالقهم مباشرة ودون أدنى احتمال لوجود وسيط بينهما. الثاني: رفض وإنكار مفهوم الخطيئة الأزلية الموروثة، فإذا لم ينطلق أحدنا من فرضية أننا جميعا بحاجة ماسة للنجاة فلن يبحث أى منا عن المنقذ وبالتالي فلن يجد منقذاً له. وهذا يعني أن القرآن الكريم مفتاح الهداية والمدخل الصحيح لقلوب وعقول كل الناس لمعرفة الإسلام، لكن تبقى إشكالية الترجمات لمعانيه وحسن تقديمه لمن لا يعرف العربية تحديا ًكبيراً؛ لهذا فإن مما حرص عليه هوفمان بعد إسلامه هو اهتمامه بالقرآن، وإعادة إخراجه لترجمة سابقة للقرآن إلى اللغة الألمانية رغم وجود ترجمات أخرى.

لقد كان هوفمان كما يقول عن نفسه قريباً من الإسلام بأفكاره قبل إشهار إسلامه والنطق بالشهاديتين، فكان مسلماً من الناحية الفكرية الذهنية لا العملية التطبيقية ثم انتقل بعدها إلى الالتزام السلوكي والأخلاقي بتعاليم الإسلام، ومن أوضح مظاهر تحوله وتمسكه بالإسلام توقفه عن شرب الخمر وأكل الخنزير فيقول عن ذلك: “لقد ظننت في بادئ الأمر أنني لن أستطيع النوم جيدًا دون جرعة من الخمر في دمي، بل إن النوم سيجافيني من البداية، ولكن ما حدث بالفعل كان عكس ما ظننت تمامًا، فنظرًا لأن جسمي لم يعد بحاجة إلى التخلص من الكحول، أصبح نبضي أثناء نومي أهدأ من ذي قبل. صحيح أن الخمر مريح في هضم الشحوم والدهون، لكننا كنا قد نحَّينا لحم الخنزير عن مائدتنا إلى الأبد، بل إن رائحة هذا اللحم الضار (المحرم) أصبحت تسبب لي شعورًا بالغثيان”.

وجد الطريق فسلكه ووجد غيره الطريق فتركوه
إن أهمية قراءة هوفمان اليوم تكمن في أنه كدبلوماسي وفيلسوف ألماني وجد الطريق فسلكه، بينما وجد غيره من المسلمين الأصليين الطريق فتركوه، فقد تنبأ الرجل بشيوع ظواهر الإلحاد وترك الدين، لكنه يقدم أجوبة متماسكة لأسئلتهم، وتحليلاً منطقيا للظاهرة، ولا يقلل هذا من تفاؤله واستبشاره الدائم في كتاباته على ظهور الإسلام وانتشاره.

الأسرة والأخلاق همٌ واقعي وحلٌ إسلامي
خراب الحضارات يبدأ وينتهي عند العائلة هكذا يعنون هوفمان في مقالٍ مطول له، وفي كتبه يتوقف طويلا عن واقع الأسرة والأخلاق، وأن إنهيار الأسرة يعني انهيار المجتمع بأسره وأن مفتاح حل معضلتها في الإسلام، ويعدِّد مظاهر التحول السلبي للأسرة في المجتمع الغربي المتمثلة في (المعدلات المربكة للطلاق – الأمهات الوحيدات – الأطفال الذين يعيشون دون والدين – الدعارة – والممارسات الجنسية غير القانونية والمنحرفة- والعنف الطلابي – إساءة استخدام المخدرات، التي انتشرت إلى حدٍّ صار معه العالم الغربي مدمنًا في مجموعه، والإدمان الذي يعانيه الغربيون ليس إدمانًا كيماويًّا دائمًا، فالتلفزيون والإنترنت أيضًا ربما صارا إدمانًا)، ويرى هوفمان أن المسلمين يحملون بإسلامهم رسالة إنقاذ الأسرة حيث يضعونها على رأس المؤسسات الاجتماعية، وهم كذلك بحكم التوازن العقيدي الأمل الوحيد الباقي للقضاء على المخدرات. ويتنقد هوفمان بشدة إباحة الإجهاض قانوناً وديناً، ويفتخر بتحريمه في الإسلام إلا إذا كانت هناك خطورة على حياة الأم، ويدعو المحافظين الغربيين للدخول في تحالف مع الإسلام لمنع الإجهاض.

الصلاة حل للتوتر والقلق النفسي
يرى هوفمان أن الإنسان الغربي مجهَد بشكل مفزع، حتى الأطفال في المدارس، وحتى المتنزهون أيام العطلات متوترون مجهدون، وهم دائموا التردد على الأطباء النفسيين، للتغلب على مشكلات الحياة، ويقرر أن الحل يكمن في الصلاة فيقول: مثل هؤلاء الناس سوف يجدون الإجابات عن أسئلتهم كلها باختيارهم تكنيكًا إسلاميًّا للتأمل الدائم المنتظم (مثل الصلاة، والتأمل العقلي المواكب لها)! إن الإسلام تسليم لله تعالى، والتقوى ربط للضمير به عزّ وجل.

نموذج للمسلم العامل الذي لم يستتر بإسلامه
لقد كان الدكتور مراد هوفمان رحمه الله تعالى نموذجاً للمسلم العامل الذي لم يستتر بإسلامه، ولم يستسلم للعواصف رغم شدتها، وإنما قاومها بعلم وحكمة، ونجح في تجاوزها وقدم خدمة جليلة للإسلام والمسلمين في أوروبا فجزاه الله خير الجزاء. وإن أعظم وفاء له بعد موته أن نقرأ له، وأن نوجد من بيننا من يخلفه ويكمل مشروعه، والله أعلم حيث يجعل رسالته.


الجهاد الفكري بديلا عن الخلاص الفردي
مما تفرد به هوفمان أنه لم ينعزل بعد إسلامه، ولم يقرر البقاء في تصوف وروحانية يحقق بها الخلاص الفردي لنفسه والإشباع الروحي لقلبه الظاميء والمرهق من الحضارة المادية التي لا تقيم وزنا للقلب والروح، ولكنه قرر أن يكتب وأن يجاهد بفكره وقلمه وأن ينير الطريق للناس، ورغم شدة الهجوم عليه بعد إسلامه وقبيل صدور كتابه الشهير الإسلام كبديل، والمطالبة بإقالته من عمله بالخارجية الألمانية، والإفتراء عليه بقول ما لم يقل، ثبت الرجل واستمر يناضل ويدافع عن الإسلام ويبشر بقدومه، بل إنه كان يعلم جيداً تبعات كتابته فقال مرة للناشر عندما أرسل إليه كتابه الإسلام عام 2000 : آمل أن لا يسبب كتابي لك أو لمؤسستك أية مشاكل، ولعله استلهم هذا المعني من التجربة الجزائرية المقاوِمة، التي كانت مقدمة سؤاله وقراءته عن الإسلام، ثم التعمق والتدبر الدائم للقرآن الكريم الذي يخرج المسلم من دائرة العمل والخلاص الفردي إلى إصلاح الآخرين والعمل على هدايتهم واستنقاذهم.

تفاؤل رغم كثرة المحبطات
لا ينفك التفاؤل والاستبشار عن هوفمان في أغلب كتبه رغم كثرة المحبطات وتضاعف عوامل الإحباط والفتور، ولعل أسباب الفتور واليأس قد تضاعفت اليوم، بل إن الحالة النفسية المحبطة للشباب تمظهرت في أحايين كثيرة في الخروج من الدين وعدم الثبات عليه، لهذا فإن قراءة كتب هوفمان لا ترتقي بك فكريا، أو تفتح لك نافذة على الفكر الغربي فحسب، وإنما تعطيك جرعة هائلة من التفاؤل والاستشبار بمستقبل الإسلام المبني على معطيات علمية وقراءة للحضارة الغربية من الداخل، فتفاؤله لا يقوم على دغدغة العواطف والمشاعر، أو القراءة التعسفية لنصوص ظهور الإسلام في آخر الزمان، وإنما يقوم على رؤية بصيرة مقيدة بالعمل الراشد المستدام.

استشراف للمستقبل لا ينقطع عن الماضي
يلفت النظر في كتابات هوفمان الاهتمام بالمستقبل، وتوقع ما سيجري في العقود القادمة من متغيرات حضارية وموقع الإسلام منها، فيخصص ثلاثة من كتبه للحديث عن مستقبل الإسلام: الإسلام كبديل، الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود، الإسلام عام ألفين، والاهتمام بالمستقبل عزيز نادر في فكرنا وعملنا وتوجاهتنا في الجملة كمسلمين، وعكسه في الغرب الذي صار علما مستقلا وفنا له أهله، ولا يخفي هوفمان أن المستقبل للإسلام وأنه يملك حلا وجوابا للمأزق الحضاري للعالم الغربي اليوم شريطة أن نحسن تقديمه وفهم من نخاطبهم به، فيقول رحمه الله: أعتقد أن الإسلام يمكنه أن يقدم كل ما يحتاجه أمر إنقاذ الغرب، بالرغم من عوامل النقص التي يعانيها العالم الإسلامي من المعوقات والرذائل: كالأمية، والفقر، والفساد، والظلم الاجتماعي، والتعذيب، والبلادة، وزرع الفتن، وقلة التحمل، والانفراد بالسلطة، والتمييز ضد النساء، والمادية المتزايدة.

التأسيسي لا الدفاعي، والفلسفي لا التبريري، والافتخار لا الاعتذار
ينحو هوفمان عكس التوجه العام للمسلمين ومفكريهم ودعاتهم في العقود الأخيرة؛ حيث غلب على خطابهم الدفاع لا التأسيس، فقد انشغلوا بالبقاء في دائرة رد الشبهات ودفع التهم عن الإسلام لا التأسيس للفكر الإسلامي وإصلاحه، وهذا التوجه أخَّر مسيرة الدعوة الإسلامية كثيراً حيث استنفدت الجهود والطاقات للعلماء والدعاة في الدائرة الدفاعية لا التأسيسية، أما هوفمان فاشتغل على التأسيسي قبل الدفاعي، ورفض التبرير أو الاعتذار عما يثار حول الإسلام، وإنما افتخر بالإسلام وتعاليمه، ورد الأسئلة والشبهات على طارحيها، وجعلهم هم في موقف الحاجة إلى الاعتذار والتبرير.

فقه أبي حنيفة الأنسب لأوروبا
يعتقد هوفمان أن مذهب أبي حنيفة أنسب للمسلمين في أوروبا من المذاهب الأخري خاصة المذهب الحنبلي، وتلك نظرة عميقة منه رحمه الله، فهذا ما ترجّح عندي منذ سنين حتى كتبت كتاباً عنوانه: أبو حنيفة فقيه الأقليات، ولذلك أسباب كثيرة منها: إعلاؤه من قيمة العقل، رفعه من قيمة الحريات الفردية والشخصية، ظهور الجانب الإنساني والأخلاقي في فقهه مقارنة بالمذاهب الأخرى، على أننا يجب أن نؤكد على أن العصبية المذهبية في الجملة تضر بالوجود الإسلامي في أوروبا ولا تخدم مقاصده بل تفرق المسلمين وتضر بوحدتهم.

اهتمامه بالمجلس الأوروبي للإفتاء ودوره
اهتم هوفمان بالعمل المؤسسي، فساهم في تأسيس مؤسسة جسور للتعريف بالإسلام، وكان مستشاراً للمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، وهو بهذا يبعث برسالة عملية لمسلمي أوروبا للتوجه نحو المؤسسية بدلاً من الفردية، كما أثني على المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ودوره، وفقهِ واعتدال رئيسه السابق العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، ونبه إلى خطر الفتاوى الواردة من خارج أوروبا؛ لأنها تفتقر إلى المعرفة بالواقع وهو ركن أصيل لإخراج رأي فقهي معتبر.

المصدر: مدونات الجزيرة

Posted on Leave a comment

كيف نواجه العنصرية؟

كيف نواجه العنصرية؟

بقلم فضيلة الشيخ/ طه سليمان عامر

يعيش العالم مَوجات من الكراهية والعنصرية تتجدد كل حين، وتأخذ صوراً وأشكالاً مختلفة، ويَصْطلي بنارها ملايين البشر الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وكأنَّ لسان حالهم يقول: من يوقف تلك الحملات المجنونة؟ وما إنْ تسكن حتى يَنفخ في رمادها أبالسة الجن والإنس، وإذا بها تشتعل مرة أخرى من مكان لآخر، ويدفع ثمنها الضعفاء دوما. ولست أدري كيف تغلَّب الجهلاء على العقلاء، وارتفعت حناجر دعاة الكراهية حول العالم وكسبوا أصواتا وأفراداً كُثر؟ هل تلك الظاهرة الممقوتة مثل زبد البحر ما إنْ يتجلَّى على سطح الماء حتى تأتيه ريح خفيفة فتذهب به، أم يطول أمده ويُعكر الماء النقيَّ الطاهر؟

ما هي المساحات التي تركها العلماء والمفكرون وأولو الألباب لحاملي راية النزعات العنصرية حتى فرَّخوا فيها، وغرسوا بين الناس نبات الحنظل، فتحولت به حياة الجماهير مُرَّا وعلقما؟ ما أومن به أن الله جلَّ في علاه خلق الخلق لمقاصد عليَّة لا تتحقق بغير التآزر الإنساني، والتعاون البشري، والتعاضد المجتمعي. قال لي بعض الشباب الطيبين: هل هناك دليل على أن الأصل في العلاقات بين الناس السلام والتعاون أم أن القَدَر الإلهي هو الصراع والتقاتل حتى البقاء أو الفناء؟ قلتُ: لو كان الأصل هو الصراع لم يكن هناك غاية من خلق الإنسان، فما حاجتنا لوحوش مفترسة في إهاب بشر؟

إن البرِّية زاخرة بصنوف الوحوش التي تعيش على موت غيرها، فحظها في البقاء هو حظ غيرها في الفناء، وهكذا تجرى قوانينهم، أما بني آدم فللمحبة والتعايش والتعاون والتعارف خلقهم الله تعالى، قال ربنا تبارك وتعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (13) سورة الحجرات. ونحن في هذه السطور نرنو إلى الوقوف على أهم أسباب العنصرية وآثارها وسبل معالجتها، متوخين الإيجاز قدر المستطاع، وقد تركت الإكثار من النصوص والشواهد والتركيز على بعض الأفكار والمقترحات بقدر ما أسعفني الوقت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

ما هي العنصرية؟

العنصرية مُكونة من فكر وسلوك، أما الفكر أو العقيدة: أن يعتقد إنسان أو جماعة من البشر أو شعب بتميُّزِ وتفوقِ فرد أو قبيلة أو شعب على غيره بلونه أو عِرقه أو نسبه أو دمه. أو أن القدرات والمواهب مخصوصة بقوم دون غيرهم. السلوك: أن يترتب على هذا التصور المُدان: حرمانٌ من الحقوق، وإلزامٌ بواجبات أكثر من غيرهم لاعتبارٍ يتعلق بالدين أو العِرق أو اللون أو الذكورة والأنوثة.

لماذا تظهر العنصرية؟

تتنوع أسباب التمييز بين الناس سواء على المستوى الفردي أو الجماعي بمستوياته المختلفة، والعنصرية ضاربة في عُمْق التاريخ الإنساني وإن بدأت شرارتها مع إمام الشر وزعيم الكراهية وحامل لواء الفتنة في العالم، إنه إبليس حينما صدر أمر من الله تبارك وتعالى أن يسجد لآدم، ولكنه رأى أنَّ مقامه أرفع من أن يسجد لآدم فقال في صفاقة واختيال “أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”.

ما دَخْل النار والطين في التفاضل هنا؟

إن الله تعالى الذي خلق الأكوان، وهو أعلم بمن خلق. وهو صاحب الخلق والأمر، وما كان لمخلوق يعلم حقيقة نفسه وقَدْر وجلال ربه إلا أن يقول سمعنا وأطعنا بيْد أن الكبر يقتل أهله ويحجزه عن المراتب العالية، واستحق غضب الله وطرده من رحمته.

العامل النفسي مدخل للعنصرية

قد يتصور امرؤ في لحظة غفلة أن له قدرة مستقلة يستطيع أن يهب لنفسه أو لغيره شيئا كحالة قارون “إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ”، فبماذا أجاب؟ لقد ظن أنه مالك المال والسلطان وقال في عتوِّ واستكبار، “قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي” قد يغفل بعض الأغنياء أو الأقوياء عن حقيقة الابتلاء فيما أوْلاهم الله، فيظنوا أن سعة المال وبسطة الجسم دليل كرامة من الله وتفضيل، وهنا يأتي البيان القرآني: “فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ” (16) سورة الفجر.

كما بيَّن القرآن الكريم حقيقة إنسانية نراها ماثلة، وهى القوة التي تُغري بالطغيان قال تعالى: “كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ” (7) سورة العلق. لهذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليعرف الإنسان حقيقة نفسه وحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وكيف يدير علاقاته مع الناس على أساس العدل والمساواة وترسيخ معاني المواساة والتساند الإنساني. “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ “.. (25) سورة الحديد. إن التفوق والإنجاز مطلب عزيز وهو من ضروب الابتلاء في الأرض كما قال تعالى “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (2) سورة الملك. ولا تصلح الحياة ولا ينهض العمران إلا بالتنافس والتسابق في الأعمال، بيْدَ أن كل إنجاز يجب أن تصحبه مقاصد نبيلة.

وفي ظل سُنَّة التدافع  بين الناس قد تمتلئ صدور بعض الرجال بالحسد على من يرونه دونهم في المنزلة وإن سبقوهم في الأعمال، وقديما حسد ابن آدم أخاه وقتله فأصبح من الخاسرين، واستمرت مسيرة الأحقاد، وقال الملأ من المشركين معترضين أن يختص الله برحمته نبياً نبيلاً يتيماً من قريش، “وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ” (31) سورة الزخرف. وهكذا يفعل الحسد بأهله.

الفكرة العنصرية ليست جديدة

قسمة بغيضة تلك التي شهدها العالم من قديم في جميع الحضارات، اليونانية والرومانية والهندية والفارسية والجاهلية قبل الإسلام، فمن سوَّل لهم أن يجعلوا الناس طبقاتٍ بعضها فوق بعض غير إبليس؟ كيف يكون إنسان قسيما لأخيه في الخِلقة ويكون عبدا له؟! كيف تتدنى منزلته حتى لا يساوى عقال بعير؟! كيف يعتقدون أن الدم الذي يجري في عروق الملوك أنقى وأطهر من دماء الفقراء والضعفة من الجماهير الكادحة؟! لقد امتنَّ الله على الإنسان فقال جلَّ شأنه: أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)، سورة البلد. ثم يأتي من بعد ذلك من يجعل نفسه فوق الخلائق، لا لشيء سوى الرغبة العارمة في الغلبة والهيمنة. لقد ساهم في ذلك فلاسفة كبار عبر التاريخ، وفي المجتمع الأفلاطوني لن تجد فيه مكانا لائقا بالمرأة، إنها في عيون الناس -حينئذ- من سُقْط المتاع. إن الله تعالى يفاضل بين الناس في الأرزاق والقدرات كما يفاضل بين مكونات الوجود، فألمانيا بطبيعتها غير أسبانيا غير اليونان غير السويد غير أفريقيا، وآسيا وفي كلِِ أودع الله من الخيرات والبركات، وما ذلك إلا لحكمة التنوع والتكامل والتدافع بين الناس، وليس بين الله وخلقه صلة أو نسب غير العمل. أمَّا أن يظن المرء أنَّ القدر الأعلى قد خصَّه بقدرات ومواهب لاعتبار قومي أو عِرقي أو ديني فهذا هو أصل البلاء ومكمن الداء ومستقر الشرور.

وقد أنذر الرسول صلى الله عليه وسلم أهله المقربين وبين لهم أن معقد الرجاء في الفوز والنجاة ليس بأنهم يُدلون بنسبهم منه فقال: “يا فاطمة بنت محمد اعملي فلن أغني عنك من الله  شيئا…”. ورسخ القرآن هذه الحقيقة وتلك القاعدة فقال تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) سورة المؤمنون. إن نظرية البقاء للأقوى هى التي قادت البشرية إلى الهلاك والخسران المبين، ولقد دفع العالم في الحرب العالمية الأولى والثانية ثمنا باهظا تجسَّد في عشرات الملايين من القتلى وأضعافهم من الجرحى، ودُمرت عشرات المدن والعواصم الكبرى بتلك الدعوات القومية التي زعمت أن دما أنقى من دم، وعِرقا أولى بالفضل من عِرق، فحصدوا ما زرعوا علقما لازالت آثاره باقية. ليس هناك شعب أَوْلى بالحياة من شعب. لماذا لا ينعم كل الناس بخيرات الأرض؟ لماذا تستأثر ثُلة قليلة من الناس بكنوز العالم بينما عشرات الملايين يطوون بطونهم على جوع؟ ويفترشون التراب، وتتوسد رؤوسهم الأرض والحجارة؟! أليس هذا من نتائج التفكير الذي يدفع الإنسان ليدور حول نفسه كأن الأرض قد خُلقت له ليضرب فيها يَمنة ويَسرة ولا يرى غيره؟!

العنصرية وشهوة المال

لقد دفع ملايين البشر حياتهم في سوق الرقيق، وعلى متن سفن ضخمة سِيقوا كالأغنام من دول أفريقيا إلى عِمارة أرض سيُقبرون في بطنها بعد حين من وصول من ينجو منهم عبر طريق طويل وشاق. وفي ظل الرغبة المحمومة في الهيمنة أُُبيدت الملايين من الهنود الحمر، وسكان أستراليا الأصليين. ستبقى هذه المرحلة جرحا غائرا في ضمير العالم يطارده في صحوه ونومه، ولقد جاء الإسلام ونظام الرقيق من أعمدة الاقتصاد في ذلك الزمان، ووجد أن أفضل منهج في منعه هو التدرج في تحريمه عبر تشريعات وأحكام تفصيلية تصون حقوقهم، وترد لهم كرامتهم، وتنادي فطرتهم أنكم بشر ممن خلق الله، واستمر في تجفيف منابعه حتى تحقق ما تطلع إليه.

هل انتهت تجارة الرق؟

لم تنتهى للأسف الشديد، فهناك الاتجار بالبشر، وتجارة ما يسمى “الرقيق الأبيض” والاتجار في الأطفال وهضم حقوق العمال حول العالم، وفي دول عربية عديدة يلقى كثير من العمال الأجانب معاملة لا تجوز مع البهائم العجماوات، وقد رأيت بنفسي  بأحد الفنادق بمكة المكرمة عام 2006 مشهدا لن أنساه كيف تعامل أحد الحجاج مع عامل باكستاني بسيط وأمره أن يحمل الحقائب ونهره بشدة، فانطلقتُ للرجل صارخا لماذا تتعامل معه بهذه بالطريقة؟ أليس له قلب كقلوبنا؟ أليس له مشاعر مثلنا أليس إنسانا يتألم من الكلمة القاسية والإهانة والتحقير؟ ألم تحمله أمه تسعة أشهر مثل أمهاتنا؟ إن من يتتبع أحوال العمالة في عدد من دول الخليج سيجد كوارث إنسانية، فلا كرامة ولا حقوق لكثير منهم، وقد تعرضت كثير من العائلات السورية للطرد والتشريد ظلما -وعدوانا- من بعض هذه الدول. تطردهم دولة عربية وتفتح ذراعها لهم دول غير مسلمة ويلقون فيها الرعاية والعناية.

ماذا عن العنصرية في العالم العربي والإسلامي؟

لا تخطيء العين مظاهر وصور العنصرية التي تتجلى في بلدن من العالم العربي والإسلامي وتُمارَس على نحو واسع، إنَّ حقوق الضعفاء مهضومة، وحريات العباد مسلوبة، وكرامتهم مهدورة، وليس هناك ما يردع عن الظلم والفساد، وقد انقسمت المجتمعات إلى طوائف وشيع كل حزب بما لديهم فرحون، وكادت أو بالفعل اختفت ما يسمى بالطبقة المتوسطة، ولم يعد إلا من هو متخم بالثراء، أومثخن من العراء. وتسللت ممارسات تمييزية إقصائية عند قطاعات من تلك الشعوب، وغدت ثقافة في البيت والشارع والمدرسة والجامعة ووسائل المواصلات وأماكن العمل. وكثرت المظالم الاجتماعية بين الناس على نحو مفجع، فقلما تجد امرأة -في بعض البيئات- ترث من أبيها أو أخيها، وقلما تجد فتاة تختار زوجها بإرادتها.

وأما دعوى الجاهلية التي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منها وأوضح أن الإسلام جاء ليذيب هذه العصبيات التي أشعلت بين العرب حروبا طاحنة، وما يحزن القلب إحياء تلك العصبيات مرة أخرى، داخل الدولة الواحدة والولاية الواحدة. إن أول خطوة نخطوها في مواجهة العنصرية أن نفتش في قلوبنا ونغربل أفكارنا ونحرر أنفسنا من كل شكل أو صورة منها، وأن نبدأ بأنفسنا أولا فنتحقق بقيمة الأخوة الجامعة، وساعتها لن نجد كثيرا من التهميش الذي يلقاه مسلمو العالم في أماكن كثيرة خارج العالم الإسلامي. 

* نشرت في مدونات الجزيرة