نوم في النور… ويقظة في الظلام

عبد الحميد العربي

عبد الحميد العربي

نوم في النور… ويقظة في الظلام

في مشاركة دعوية، بمعرض الكتاب السنوي ببرشلونة قبل ثلاث سنوات، تتزين الساحات الكبرى والشوارع والحدائق بدور النشر ومنتجاتها من غذاء الروح والعقل، تصبح برشلونة كلها معرض كتاب مفتوح لملايين الزائرين من إسبانيا وأوروبا، إنه عيد الكتاب “سان جوردي” وفيه جرت العادة أن يتهادى النساء والرجال والشيب والشباب بينهم ” كتابا ووردة حمراء” لأسطورة تاريخية لا مجال لذكرها…
نخرج منذ 12سنة في هذا العرس الثقافي والأدبي الجميل، بخيام جميلة وسلسلة إصدارات إسلامية باللغة الإسبانية عن الإسلام ثقافة وحضارة ورسالة ودين.
فرصة رائعة للاحتكاك بالقرّاء مباشرة بعيدا عن حواجز الإعلام و شبكات اللا تواصل..
نوعية من القرّاء يقبلون بلهفة عجيبة على إصداراتنا، بل منهم من يبحث عنّ خيامنا كل سنة ويزورنا ليقتني آخر الإصدارات…
لا يخلو هذا اليوم من نقاشات راقية واستفسارات عميقة عجيبة من المارة!!!
شيخ إسباني في التسعين يطلب المصحف المترجم المعاني بالإسبانية، ويقول أنه يبحث عنه منذ سنوات وفي بيته 3 ترجمات لمستشرقين لم تشف غليله، وشعر بالتلاعب في ترجمات النصوص لتناقضات صارخة فيها!! أعطيته ترجمتنا؛ فسحب منديلا أبيضا من جيبه وأمسك المصحف المترجم لمعاني القرآن الكريم بلطف وقبّله، قلت: لماذا تحمله بمنديل؟؟
قال: قرأت في غلاف أحد الترجمات أنه “لا يمسّه إلا المطهّرون”!!!
تصفحه فترة… سأل عن ثمنه، قلت: هو هدية لك..
أخرج كل القطع النقدية التي في جيبه وقال: هذا تبرع لتطبعوا المزيد من وحي السماء!!!
كتالاني آخر مع عشيقته العربية… تهلل وجهه برؤية كتب عن الإسلام بالكتلانية والإسبانية وأخذ يتصفح ويسأل ويستفسر، وخليلته العربية البعيدة عن الدين تريد سحبه والابتعاد عنا تخشى عليه الهداية وقد عاشت معه سنينا تحجب عنه دين الله لكي لا يلتزم حسب قوله!
لحظات وتمرّ سائحة عربية بملابس فاضحة… ما إن عرفت أننا من مركز إسلامي ورأت المصاحف بدأت تصرخ في وجوهنا: أتيتم إلى أوروبا النور والحضارة بكتب الظلامية ودين التخلف والرجعية؟؟
قلت لها: مرحبا بك في بلد يجرّم ازدراء الأديان والعلمانية العنيفة المتطرفة وجه آخر للداعشية التي تقتل المخالفين …. واصلت تهجمها وصراخها الهستيري قبل تمرّ دورية الشرطة فانتبهت أنها ليست في عربستان وأي بلاغ منا له تبعات… فاختفت بين الحشود…
مسيحي عربي من بين الزوّار، يستنكر علينا توزيع المصاحف المترجمة، وكيف تمنع الدول العربية توزيع الإنجيل، قلت له: منع توزيع الأناجيل ظلم، ولو كانت لي سلطة لأمرت بتوزيع الكتب السماوية بكل اللغات في كل البلدان، دع الناس تقرأ لتحمد الله على نعمة القرآن!!!
أغرب من رأيت في أحد المعارض، فتاة كتلانية صغيرة تدرس في الاكمالية، جاءت مع والدتها، وهي تحمل مجموعة كتب عن الوجودية والفلسفة وعلم الفلك، قالت لأمها و هي تشير إلى المصحف مترجم المعاني: هذا الكتاب الوحيد الذي ينقصني من الكتب السماوية، و بقيت لنصف ساعة تتصفحه وأمها تتصفح كتبا أخرى… و بدأت بسيل الأسئلة الجارف…
قالت: من هو العقل المدبّر للوجود؟؟
قلت لها: حسب معتقدنا كمسلمين هو الله الواحد الخالق
قالت: ما هو كنهه؟؟ كيف كان؟؟ ولم يزل إلى الآن؟؟
قلت: لا تخالطه الظنون
وصفه لا صفة له، وكونه لا أمد له … لا تخالطه الأشكال والصور.. . ولا تغيّره الآثار والغِيَر…
قالت: قرأت في علم الفلك كثيرا… ووصلت لقناعة أن العقل المدبّر لابد أن يكون أعظم من هذا الكون لأن الكون كلّه لوحة فنية صغيرة من تشكيله، وأنه قديم في القِدم وغابر في الزمن!!! أجبتها: نعم، الزمن عندنا يقاس بالشمس والقمر… و المكان أرض وكواكب.. وكل هذا ذرة من خَلقه…
قالت: طرحت سؤالا على راهب الكنيسة عن الزمان واليوم والمكان بالنسبة للربّ!!! فغضب من إعمالي العقل في فهم الإنجيل!!!!
قلت لها: إن التفكير عندنا فريضة إسلامية وتفضلي افتحي المصحف في سورة الحجّ الآية 47، ستجدين جوابا عن مقدار اليوم عند الإله الخالق
فقرأت بالإسبانية معنى قوله تعالى: “وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ”
و في سورة المعارج: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)
فاضت عيناها بالدمع وهي تقول: أنا أبحث عن حقيقة الكون ومن أبدعه ونظّمه وأتعطش لمعرفته معرفة خاصة…
قلت لها: هو أقرب لك من شريان الوريد الذي يورد الدمّ إلى قلبك.. فقط ناديه بإخلاص و تجرد وتفكّر.. سيدلّك على الطريق إليه برويّة وأناة.
أخذت مجموعة من الكتب والمصحف وغاصت في طلب الهداية حتى أُشرب قلبها بالإيمان…

مئات الآلاف من أمثال هذه الصبية، من شيب وشباب ونساء ورجال، قضوا حياتهم كاملة في البحث عن الله وذاته وصفاته… وفعله في الأنفس والآفاق…. لا يعرفون العربية ولا يجذبهم شيء من سلوك العرب والمسلمين بل تصدّهم أخلاقنا في أغلب الاحيان …. لكن الحق سبحانه وتعالى يغار على قلب عباده المتشوقين إليه، فيدلّهم به عليه…
رحمة الله على الشيخ محمد الغزالي الذي أوجز ظاهرة تفكّر الأوروبيين في الإسلام وتبلّد مشاعر المسلمين وعقولهم عن التفكر في الله تعالى ومُلكه وملكوته فقال: الناس اثنان… رجل نام في النور (مسلم ينام على نور الوحي ولا يتأثر) ورجل استيقظ في الظلام (غير المسلم حين يبحث عن الله دون معرفته بنور الاسلام).

للشيخ: سليم عمارة.

اقرأ أيضا