بقلم فضيلة الشيخ الهادي بريك

أخرج الشيخان عن عثمان عليه الرضوان أنه عليه الصلاة والسلام قال: خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه. أزعم أني تتبعت آلافا مؤلفة من الحديث النبوي بل أزيد ومما رأيته أنه عليه الصلاة والسلام لا يخلع رداء الخيرية إلاّ على عدد قليل من الناس.

منهم من يشيّد الأسرة على الفضيلة لقوله عليه الصلاة والسلام ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ). ومنهم من يعيد بناء النسيج الأخوي الإسلامي لقوله عليه الصلاة والسلام عن المتصارمين العائدين ( وخيرهما من يبدأ صاحبه بالسلام ). وخيريات أخرى قليلة ومنها الخيرية بإسم القرآن الكريم تعلّما وتعليما. لا أظن أنه قليل ولا زهيد أن يقيمك نبي القرآن الكريم عليه الصلاة والسلام على عرش الخيرية. هذه خيرية العلم بعد خيرية الأسرة وخيرية التكافل والتآخي وبهذه الخيريات الثلاث تشيد المجتمعات وتنشأ الأمم وتنهض الشعوب. الإمام هو أكثر الناس إلتحاما بالقرآن الكريم صباح مساء ليل نهار بسبب وظيفته ومن ذا لا مناص له من تقحّم الخيرية.

عدا أن كثيرين منّا يغفلون عن الشطر الثاني من الخيرية أي أنهم يزهدون في تعليم الناس ما علّموا من القرآن الكريم وبذلك لا حقّ لهم في تلك الخيرية المتكونة من شرطين لا مناص منهما معا: خيرية التعلّم أوّلا وخيرية التعليم ثانيا. فلا خيرية لمن تعلّم فلم يعلّم ولا خيرية لمن علّم بلا تعلّم بل هذا شر الخلق. أمّا ما تكون الغفلة عنه أشدّ سيما في هذه الأيام فهو أن التعلّم والتعليم للقرآن الكريم لا يكون إلاّ حرفا وحدّ معا وهو الأمر الذي فسره حبر الأمة وترجمان هذا الكتاب العزيز للصحابة الكرام من بعد موت محمد عليه الصلاة والسلام إذ قال لهم أن الخيرية هي تعلّم القرآن حرفا وحدّا معا وتعليمه الناس بمثل ذلك حرفا وحدّا معا.

بل إنه قال لهم في حديث طويل أنهم اليوم في زمن كثير فقهاؤه قليل قراؤه وسيأتي على الناس زمان يكثر قراؤه ويقل فقهاؤه. العبرة هنا كلها هي لزوم التوسط والإعتدال فلا تبخيس لمن يقيم الحرف ولكن يدفع دفعا حتى يقيم الحدّ الذي هو العلم والفقه بما يطيقه صاحبه ولا تبخيس لمن يقيم الحدّ ولكن يدفع دفعا حتى يقيم الحرف وبذلك تكتمل دائرة الخيرية. المسألة هنا ليست تفاضلية بالمرة بل هي تكاملية. هي تكاملية في الأمة جمعاء قاطبة فلا بأس من وجود من يقيم الحرف وليس له في الحدّ بضاعة. ولكن الذي يؤم الناس ما ينبغي له سوى أن يكون على قدر من إقامة الحرف وإقامة الحدّ معا قدر الإمكان إذ لا تكليف إلا بمستطاع.

تلك هي دوحة القرآن الكريم لا تنفد ثمراتها ولا تخلق من كثرة الرد كما أخبر عليه السلام بل إنها تأتي يوم القيامة وكأنها لم تطمث قطّ. تأتي بكرا . مهمة الإمام هنا هي القيام بعمليات حفر متواصلة كمن يحفر في المناجم لإستخراج الذهب المدفون أو لتسييل الوقود التي به تتقدم الأمم. الإمام هو من يحفر في تلك الدوحة ومع كل حفر جديد سيفيض عليه ذلك الكتاب العزيز بلآلي جديدة أغلى من الذهبين الأصفر والأسود معا. وبذلك يكون الإمام طامحا دوما إلى نيل الخيرية. دعوني أزعم أن هذه الخيرية ـ أي خيرية التعلم والتعليم ـ هي الخيرية المطلقة ذلك أنها مرتبطة بالكتاب العزيز من جهة وبالعلم من جهة أخرى بل هي حاكمة بوجه ما على الخيريات الأخرى فلا تقام أسرة ولا تساس ليكون الزوج خيرا لزوجه إلا بالعلم ولا علم إلا بالقرآن الكريم ولا تعود أنسجة المجتمع من بعد تصرم إلى الإلتئام إلا بالعلم ولا علم إلا بالقرآن بل قل إلا بتزكية وخشوع ومراقبة لله سبحانه ولا يتم ذلك نفسه إلا بالنهل من مذكرات القرآن الكريم.

ذلك هو معنى زعمي أن الخيرية المطلقة هي خيرية القرآن الكريم تعلما وتعليما وحرفا وحدا معا والإمام هو وحده من يكون في تلك الساحة.

والله أعلم

نُشر بواسطة الشيخ الهادي بريك

عضو المكتب التنفيذي للمجلس الأوروبي للأئمة